تحضير درس الرحمة والرفق ثانية باك مدخل الحكمة
أهداف درس الرحمة والرفق الثانية باك أتعرف خلقي الرفق والرحمة. أدرك أهمية التخلق بهما. أتمثل قيم الرحمة والرفق في شؤوني…
المجزوءة: الوضع البشري
المفهوم: الشخص
المحور الأول: الشخص والهوية
ما أساس هوية الشخص؟ ما الذي يجعل الشخص مطابقا مع ذاته ومختلفا عن غيره رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة؟ هل تتأسس هوية الشخص على الفكر المجرد، أم على الفكر المقترن بالإحساس، أم على الإرادة أم على غير ذلك؟ هل هوية الشخص ثابتة أم متغيرة؟
يعيش الإنسان تغيرات مستمرة في جسده وأفكاره وحالاته النفسية عبر مراحل حياته، ومع ذلك يظل يشعر بأنه نفس الشخص رغم مرور الزمن. ومن هنا تبرز مفارقة فلسفية بين التغير والثبات؛ فهل تقوم هوية الشخص على عنصر ثابت كالـفكر أو الإرادة، أم أنها تتشكل من عناصر نفسية متغيرة ومكتسبة كالشعور والذاكرة والطبع؟
لقد استخدم “ديكارت” الشك المنهجي من أجل الوصول إلى الحقيقة، وما دام الشك نوعا من التفكير فقد انتهى إلى أنه يفكر. من هنا فقد تساءل قائلا: أي شيء أنا؟ وأجاب: أنا شيء مفكر، وهذا ما يجعل هوية الشخص عند أبي الفلسفة الحديثة تتحدد على مستوى الفكر، فالشخص هو ذات مفكرة وواعية، ويتجلى هذا الوعي في القدرة على الشك والفهم والتصور والنفي والإثبات والتخيل والإحساس. وهكذا فهوية الشخص لا تتحدد بالجسد، لأن وجود الشخص كجسد مشكوك فيه والحواس تخدع، فهوية الشخص ترتبط بعملية التفكير. وهذا ما عبر عنه انطلاقا من قولة الكوجيطو: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”.
القيمة: أبرز أهمية الفكر والوعي في إدراك الشخص لذاته، وجعل التفكير أساسا لليقين بوجود الأنا وتميزها عن غيرها.
الحدود: ركز على الذات المفكرة دون أن يمنح الجسد والحواس والعوامل النفسية والاجتماعية دورا مماثلا في تحديد هوية الشخص.
إن جون لوك وبوصفه ممثلا للاتجاه التجريبي في الفلسفة الحديثة يؤكد أن حقيقة الشخص تتمثل في اعتباره ذلك الكائن العاقل المفكر، فالهوية الشخصية من منظوره تتكون من الشعور (الوعي) الذي يميز الشخص، ويرتبط بالإدراكات الحسية. فالشعور هو ما يمكن الشخص من تمثل حقيقة ذاته، والرجوع إلى الذات سيظهر لها أنها نفس الشخص، مهما تغير الزمان والمكان. كما تتكون هوية الشخص من الذاكرة التي هي امتداد للوعي في الماضي، لأن الشخص يعي أنه نفسه من قام بتلك الأفعال الماضية التي يتذكرها في حاضره. وهكذا فاقتران الشعور بالفكر على نحو دائم هو ما يكسب الشخص هويته ويجعله يبقى دائما هو هو.
القيمة: أبرز دور الشعور والذاكرة في استمرار الهوية الشخصية، وربط هوية الشخص بوعيه بأفعاله وتجاربه الماضية.
الحدود: الذاكرة معرضة للنسيان والاضطراب، مما يطرح إشكالا حول استمرار الهوية الشخصية عندما يفقد الإنسان بعض ذكرياته أو كلها.
إن جول لاشولي يعتبر أن المحدد الأساسي للشخص هو هويته، أي تطابقه مع ذاته. فالهوية تعني أن الشخص هو نفسه (هو هو) مطابق لذاته ومتميز عن غيره، فأساس هوية الشخص وحدته النفسية في الزمان على الرغم من وجود مظاهر التحول والتغير لديه. كما أن ما يجعلنا نحس بهويتنا أمام أنفسنا هما آليتان سيكولوجيتان: دوام نفس المزاج أو الطبع أو السمات العامة للشخصية، وهذا ما يتضح من خلال ردود أفعالها واستجاباتها تجاه العالم والآخرين، والذاكرة التي تحفظ وتستحضر الأحداث الماضية وتربط حاضر الشخص بماضيه. وعليه فوحدة طباعنا وترابط ذكرياتنا هو ما يجعلنا ندرك تطابقنا مع ذواتنا.
القيمة: أبرز أهمية وحدة الطبع وترابط الذكريات في ضمان استمرارية الهوية الشخصية رغم التحولات التي يعيشها الإنسان.
الحدود: قد تتغير طباع الشخص وذكرياته مع مرور الزمن، مما يجعل الاعتماد عليهما وحدهما غير كاف لتفسير جميع جوانب الهوية الشخصية.
خلافا لما سبق يرى “شوبنهاور” أن هوية الشخص تتحدد انطلاقا من إرادة الحياة التي تظل ثابتة فينا حتى عندما ننسى ونتغير كليا. وهكذا وبالرغم من التحولات التي يحملها الزمن إلى الإنسان، فإنه يبقى فيه شيء لا يتغير، وهو الذي يمثل نواة وجوده الذي لا يتأثر بالزمن، وهذا الشيء لا يتمثل في الشعور المرتبط بالذاكرة، لأن أحداث الماضي يصيبها النسيان، والعقل معرض للتلف بسبب الشيخوخة أو المرض، بل يتمثل في الإرادة التي هي أساس هوية الشخص ونواة وجوده بحيث تظل ثابتة وفي هوية مع نفسها. “إن إرادة الحياة هي التي تمثل ذاتنا الحقيقية والمحركة لوعينا وذاتنا العارفة”.
القيمة: تجاوز ربط الهوية بالفكر والذاكرة، وأبرز أهمية إرادة الحياة باعتبارها جوهر وجود الإنسان الذي يستمر رغم التغيرات الجسدية والنفسية.
الحدود: جعل الإرادة أساسا للهوية، وقلل من دور العقل والوعي، مما يثير التساؤل حول إمكانية تفسير هوية الشخص اعتمادا على الإرادة وحدها.
إن أعمال المحلل النفسي سيغموند فرويد تعتبر من المحاولات الأساسية لإعادة النظر وتأسيس تصور نظري جديد للشخصية، ففرويد يقدم تصورا ديناميا باعتبار أن الشخصية تتكون من ثلاثة أنظمة وهي: الهو والأنا والأنا الأعلى. ويعتبر الأنا المقوم الأساسي للشخصية، فهو يواجه ويتصارع مع مطالب الهو المتمثلة في الرغبات الجنسية والعدوانية، كما يواجه ضغوط الأنا الأعلى المتمثلة في المحرمات الاجتماعية والمثل الأخلاقية، إضافة إلى قوة العالم الخارجي، وهدفه هو تحقيق التوازن والانسجام بين هذه المطالب المتعارضة. وهكذا فهوية الشخص متغيرة ودينامية عسيرة التحقق لوجود صراع مستمر بين هذه الأنظمة ومطالبها المتعارضة.
القيمة: كشف عن أهمية اللاشعور والصراعات النفسية في بناء الشخصية، وأبرز أن الأنا ليست وحدة بسيطة وثابتة، بل تتأثر بقوى نفسية متعددة.
الحدود: ركز على الصراعات النفسية واللاشعورية، مما قد يقلل من أهمية الوعي والإرادة والعوامل الاجتماعية في تشكيل هوية الشخص.
مثال من الواقع: شخص تعرض لحادث أدى إلى فقدان إحدى يديه، ورغم هذا التغير الجسدي فإنه يظل قادرا على التفكير والشك والتأمل وإدراك وجوده. وهذا يوضح موقف ديكارت الذي يعتبر أن أساس هوية الشخص هو الفكر وليس الجسد.
مثال من الواقع: شخص يتذكر أيام طفولته والأحداث التي عاشها في المدرسة، ويدرك أنه هو نفسه الذي عاش تلك التجارب رغم تغير شكله وعمره. وهذا يوضح موقف جون لوك الذي يعتبر أن استمرار الوعي بالأفعال الماضية عن طريق الذاكرة هو ما يضمن الهوية الشخصية.
مثال من الواقع: شخص كان منذ طفولته هادئا وصبورا، وظل يحتفظ بهذه الصفات عندما أصبح راشدا، كما يتذكر تجاربه وأحداث حياته الماضية. وهذا يوضح موقف لاشولي الذي يرى أن وحدة الطبع وترابط الذكريات هما أساس هوية الشخص.
مثال من الواقع: شخص مسن فقد جزءا كبيرا من ذاكرته وتراجعت قدراته العقلية والجسدية، لكنه ما زال يتمسك بالحياة ويسعى إلى تلبية حاجاته والاستمرار في العيش. وهذا يوضح موقف شوبنهاور الذي يعتبر أن إرادة الحياة تظل جوهر هوية الشخص رغم تغير الجسد وضعف الذاكرة.
مثال من الواقع: تلميذ يرغب في اللعب بدل مراجعة دروسه، لكنه يشعر بضرورة الدراسة لتحقيق النجاح وإرضاء أسرته. فيعيش صراعا بين رغباته (الهو)، والواجبات والقيم التي اكتسبها (الأنا الأعلى)، بينما يحاول الأنا التوفيق بينهما بتنظيم وقته بين اللعب والدراسة. وهذا يوضح موقف فرويد الذي يعتبر الشخصية بنية دينامية تتأثر بالصراع بين مكوناتها النفسية.
هذه الأمثلة توضيحية لتقريب المواقف الفلسفية من الواقع، وليست أمثلة نقلها الفلاسفة أنفسهم.
| الفيلسوف | أساس الهوية | طبيعة الهوية | المفهوم المفتاحي |
|---|---|---|---|
| روني ديكارت | الفكر والوعي بالذات | وحدة الذات المفكرة | الكوجيطو |
| جون لوك | الشعور والذاكرة | مستمرة بامتداد الوعي | الشعور والتذكر |
| جول لاشولي | الطبع وترابط الذكريات | وحدة نفسية مكتسبة | الطبع والذاكرة |
| آرثر شوبنهاور | إرادة الحياة | ثابتة في جوهرها | الإرادة |
| سيغموند فرويد | الصراع بين الهو والأنا والأنا الأعلى | دينامية ومتغيرة | اللاشعور والصراع النفسي |
يتضح من خلال ما سبق أن المعالجة الفلسفية للإنسان كشخص تمت في إطار مقاربة مفهوم الهوية الشخصية وأساسها. فإذا كانت الفلسفة التجريبية ركزت على الترابط الموجود بين الشعور والفكر بواسطة الذاكرة، فإن فلاسفة آخرين ذهبوا إلى تحديد هوية الشخص في إرادة الحياة، بينما ذهبت فئة أخرى ربطت الهوية الشخصية بدوام الطبع والذاكرة.
الشخص (Personne)
ذات إنسانية واعية وعاقلة، تتميز بهويتها الخاصة وقدرتها على التفكير وإدراك ذاتها وتمييزها عن الآخرين.
الهوية (Identité)
ما يجعل الشخص مطابقا لذاته ومتميزا عن غيره، ويجعله يدرك أنه نفس الشخص رغم التغيرات النفسية والجسدية التي تطرأ عليه عبر الزمن.
الأنا (Moi)
الذات التي تعي وجودها وتدرك أفكارها وأفعالها باعتبارها صادرة عنها، مما يجعلها تشعر بوحدتها وتميزها عن الآخرين.
الوعي (Conscience)
قدرة الشخص على إدراك ذاته وأفكاره وأفعاله والعالم المحيط به، وهو ما يمكنه من التعرف على نفسه باعتباره ذاتا مفكرة.
الشعور (Conscience)
إدراك الشخص لأفعاله وأفكاره الخاصة وإحساسه بأنها تنتمي إلى ذاته، مما يساهم في استمرار هويته الشخصية.
الذاكرة (Mémoire)
قدرة الشخص على حفظ واستحضار الأحداث والتجارب الماضية، وربط ماضيه بحاضره، مما يضمن استمرارية الشعور بالهوية.
الفكر (Pensée)
نشاط عقلي يتمثل في الشك والفهم والتصور والإثبات والنفي والتخيل، ويعتبره ديكارت أساس وجود الذات وهويتها.
الطبع (Caractère)
مجموع السمات والخصائص النفسية التي تميز شخصية الفرد، وتظهر من خلال سلوكاته وردود أفعاله تجاه الآخرين.
الإرادة (Volonté)
قوة أساسية تحرك الإنسان وتوجه رغباته وأفعاله، ويعتبرها شوبنهاور جوهر وجود الشخص والأساس الثابت لهويته.