كيل بعير: مقدار ما يحمله الجمل من القمح، أي حصة الأسرة الواحدة.
موثقا من الله: عهدا مؤكدا باليمين.
إلا أن يحاط بكم: إلا أن تغلبوا عليه.
4. المستفاد من النصوص والقيم:
هداية الله تعالى للرسول ﷺ بالتفاوض الحكيم في صلح الحديبية أحد أسباب تحقق فتح مكة.
إقناع يوسف عليه السلام بإحضار أخيهم الصغير بفضل حسن تفاوضه.
التفاوض مع الغير هو الوسيلة المثلى للإقناع وتحقيق المطالب.
حرص الإخوة على تقديم الأدلة أثناء مفاوضة أبيهم، من أجل إقناعه على الإذن لبنيامين بالسفر معهم.
الوضعية والوضعية المشكلة
الوضعية
لو كان لأحد أن يستغني عن التشاور والأخذ بالرأي السديد لأصحاب التفكير الرشيد، لاستغنى النبي ﷺ بالوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إلا أن الرسول ﷺ كان يستشير أصحابه، ويعرض الرأي على الرأي، حتى يقف على عين الصواب، غير أن موقف الحديبية، كان فيه من المواقف ما خفي على عقول الناس، فالذي بعث الناس على الخروج هو رؤيا فتح مكة التي رآها سيدنا محمد ﷺ ، إلا أن استعدادات النبي ﷺ كانت تنم على أخذ الحيطة والتوجس من غدر قريش، لأنه كان يعد لمعركة السلم التي لم يعهدوها، ولحرب المفاوضات التي استضعفوها واحتقروها. فهل يمكن للمفاوضات أن تغير أمرا؟ وهل يمكن للسلم أن يصنع نصرا؟
الوضعية المشكلة
رغم أن قريشا لم تكن تملك حق ردِّ المعتمرين والحجيج عن بيت الله الحرام، إلا أنها ردت رسول الله ﷺ، فكانت سابقة مشينة في تاريخ الرفادة والوفادة. وأما ملاقاة زُُوَّار البيت بالسيوف فتلك فضيحة كبرى هزت جزيرة العرب، وفرضت على قريش أن تتفاوض في الحديبية لتمحو عارها، لكن بأسلوب التجبر وفرض الشروط. فهل أفلحت قريش باستعلائها أن تصمد في وجه منهج التفاوض النبوي؟
المحور الأول: مبدأ التفاوض في معاملة الرسول ﷺ للآخر وفوائده
1. مفهوم التفاوض وعناصره:
لغة: التوكيل، فـَوَّضه أي وكَّله، وهو مشتق أيضا من مبادلة الرأي لتسوية الخلاف.
اصطلاحا: أسلوب حواري ومن أساليب حل النزاعات وتسوية الصراعات بين طرفين أو أكثر مختلفين حول قضايا معقدة تتداخل فيها المصالح المادية بالسيادة والنفوذ، للوصول إلى تسوية واتفاق باستخدام كافة الأساليب لتحقيق مصلحة التفاوض.
عناصر التفاوض:
الموقف التفاوضي.
أطراف التفاوض (أطراف مباشرة وأطراف غير مباشرة).
القضية التفاوضية.
2. التفاوض في حياة النبي ﷺ ونماذج منه:
التفاوض مبدأ أصيل في الإسلام، لأنه ممارسة نبوية حكيمة. فقد أبدى الرسول ﷺ قدرة لا مثيل لها في مفاوضة الآخر، قائمة على الحكمة والتخطيط والمرونة واستيعاب السياقات المعقدة للقضية المتفاوض حولها، مع التحلي بالأخلاق الرفيعة مثل الهدوء والتواضع والرفق بالطرف الآخر وحسن الإصغاء له واحترام رأيه.
واتخذت مفاوضات الرسول عليه الصلاة والسلام طابعاً جماعياً وطابعا فرديا، ومن أهم مفاوضاته ﷺ:
مفاوضته ﷺ مشركي قريش في صلح الحديبية: وتفاوضه ﷺ مع “سهيل بن عمرو”.
مفاوضاته مع اليهود بالمدينة المنورة بعد الهجرة: وتفاوضه ﷺ مع يهود بني النضير في شأن خيبر.
إرساله ﷺ عثمان بن عفان ؓ للتفاوض مع قريش: لدخول مكة وأداء العمرة.
مفاوضته ﷺ وعتبة بن ربيعة: أحد أسياد قريش؛ حيث عرض عليه عتبة أموراً منها: أن يكون أغناهم مالاً وأن يكون سيِّداً عليهم، والملك والزعامة، مقابل أن يكف عن الدعوة إلى الإسلام وترك دينه، فأجابه النبي ﷺ بآيات فيها وعيد، فرجع إلى قومه مذعورا.
3. مميزات أسلوب تفاوض رسول الله ﷺ (صلح الحديبية نموذجا):
التشبث بالثوابت الدينية وتقوية موقف الرسول ﷺ مفاوضا: عدم التخلي عن الغاية السلمية للخروج إلى مكة مما أدى إلى إرباك الخصوم (باستمالة بعض سادة قريش لصفه)، وإقناع بعضهم بحق المسلمين في دخول مكة، وذلك ببيعة الرضوان.
اعتماد مبدأ المرونة وكفاءة الانسحاب التفاوضي: التنازل عن بعض القضايا غير الأساسية أثناء التفاوض، مثل بقبوله ﷺ شروط عدم كتابة البسملة، ومحو صفة “رسول الله”، وتأجيل العمرة.
الإنصات للطرف الآخر المفاوض واحترام رأيه: القبول باقتراحات الطرف الآخر كما في إرجاع المسلمين وتأجيل العمرة.
فرض الاحترام لقواعد التفاوض: وذلك باشتراط إطلاق سراح عثمان بن عفان ؓ.
4. فوائد التفاوض:
توفير الفرصة لعرض الإسلام ونشر قيم ومبادئه العظيمة.
إبراز مظاهر قوة الإسلام والكشف عن مظاهر ضعف الخصوم.
الحرص على التوصل إلى اتفاق يحقق المصالح المتنوعة والمكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية للدولة المسلمة.
المحور الثاني: إعمال مبدأ الشورى في سيرة المصطفى ﷺ لتدبير شؤون المسلمين
1. مفهوم الشورى والاستشارة وهدفها:
الشورى والاستشارة لغة: من أشار عليه، أي أومأ له بالرأي، وهي بمعنى الإدلاء بالرأي.
اصطلاحاً: إشراك أهل العلم والخبرة والرأي السديد والعلم المجيد في اتخاذ القرار الرشيد الصائب.
هدفها: تهدف الاستشارة إلى الوصول لأفضل نتيجة ممكنة من خلال التعرف على نقاط القوة والضعف.
2. الشورى مبدأ أصيل ونماذج من المشاورات النبوية:
الشورى مبدأ أصيل في دين الإسلام، بالرغم من أن الطاعة واجبة منا نحو الرسول ﷺ بالأمر الإلهي غير أن الرسول ﷺ في كثير من المواقف كان يعتمد مبدأ الشورى امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
تعددت نماذج مشاهد المشاورات النبوية للصحابة ﴿رضي الله عنهم﴾، ومنها:
مشاورة أصحابه في الخروج لغزوة بدر ومنازلة أهل الكفر.
مشاورته لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: بخصوص أسرى المشركين بعد غزوة بدر.
مشاورته أصحابه في خطة الدفاع لخوض غزوة أُحد: والقتال بالمدينة أو الخروج للقاء قريش.
مشاورته الصحابة في غزوة الخندق وغزوة الأحزاب.
استشارته ﷺ لزوجته أم سلمة رضي الله عنها: إثر صلح الحديبية في شأن قضية امتناع الصحابة رضوان الله عليهم من التحلل والحلق والنحر، فأخذ برأيها بأن لا يكلم أحداً حتى ينحر ويحلق، فقام ونحر وحلق، وفعل أصحابه مثل ما فعل.
3. دور مبدأ الشورى في تدبير شؤون المسلمين:
للشورى أهمية كبيرة في رص الصف الداخلي للمسلمين وجمع كلمتهم والاستفادة من تعدد وتنوع آرائهم لتدبير شؤونهم.
المحور الثالث: من فوائد الشورى والتفاوض رص الصف الداخلي وتدبير الاختلاف
1. فوائد مبدأ الشورى (الاستشارة) ورص الصف الداخلي:
رَصُّ الصف الداخلي للأمة وتقويته: بمنع الشقاق والفرقة، وتوحيد الكلمة داخل الدولة المسلمة في وجه العدو الخارجي، وإشاعة روح التعاون والعمل الجماعي.
تبادل المعارف والخبرات: والتعرف على نقاط القوة والضعف، من خلال تداول الآراء مع الغير (فعقلان خير من عقل).
ترتيب الأمور وسداد الرأي: وفق رؤية تتأسس على فهم واسع ورأي سديد ورجاحة عقل.
تحقيق وحدة الصف الداخلي: والمساهمة الفاعلة في التنمية وبناء الحضارة الإنسانية الناجحة.
تقوية إحساس الفرد بالمسؤولية والانتماء: في اتخاذ القرارات الحاسمة والمصيرية، والانتماء إلى أسرته ووطنه وأمته.
القيم الأخلاقية للشورى: نشر المحبة بين الرئيس والمرؤوس، والحاكم والمحكوم، والأسرى وربها.. والتحلي بقيم التواضع والتخلص من الأنانية والتكبر والاستعلاء والتصلب والتعصب والالتزام الشديد بالرأي، واحترام الجماعة والحرص على اكتشاف الرأي الأفضل والأصوب.
عدم الحكم على الناس بالظاهر: لأن الحكمة وسداد الرأي من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء من عباده.
2. دور مبدأ التفاوض في تدبير الاختلاف:
تسوية الخلافات: والنزاعات والاختلافات بطرق سلمية يعود نفعها على كل الأطراف.
تدبير الاختلاف: بتضييق دائرته وتقليله، وحسن التعامل معه، وتوجيهه للوصول إلى التوافق.
ترسيخ قيم الصبر والتعايش والتسامح واحترام الآخر.
إقرار هدنة بين الأطراف المختلفة: أو عقد صلح أو تكوين تحالف.
تحقيق مصالح الأطراف المختلفة: والتخلص من الفتن والحروب والصراعات المحتملة.
3. علاقة التشاور بالتفاوض:
هي علاقة تكامل؛ إذ على أساسهما يتوصل إلى أفضل الحلول والقرارات، وحل النزاعات وإقرار السلم والتوافق.