نظام القطبية الثنائية والحرب الباردة الثانية باك

8 دقائق قراءة

المستوى : الثانية باكلوريا اداب وعلوم انسانية

مقدمة

أدت الحرب العالمية الثانية إلى تغير كبير في موازين القوى الدولية، فتراجعت مكانة القوى الأوروبية التقليدية، في حين برزت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي كقوتين عظميين متنافستين. وأدى اختلاف نظاميهما السياسي والاقتصادي إلى ظهور نظام دولي جديد قائم على وجود قطبين متنافسين، واحتدام صراع غير مباشر بينهما عرف بالحرب الباردة.

فما السياق التاريخي لظهور نظام القطبية الثنائية؟ وما مظاهر الحرب الباردة الأولى؟ وكيف تجلت مرحلة التعايش السلمي وأزماتها؟ وما مظاهر الحرب الباردة الثانية وكيف انتهت؟

السياق التاريخي لبروز نظام القطبية الثنائية

1. الأوضاع الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وبروز القوتين العظميين

خلفت الحرب العالمية الثانية خسائر بشرية ومادية واقتصادية كبيرة، وأدت إلى تراجع القوى الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا، مقابل صعود قوتين عظميين هما:

  • الولايات المتحدة الأمريكية: خرجت من الحرب بقوة اقتصادية وعسكرية كبيرة، وامتلكت تفوقا صناعيا وماليا، إضافة إلى احتكار السلاح النووي خلال السنوات الأولى بعد الحرب.
  • الاتحاد السوفياتي: خرج من الحرب بجيش قوي ونفوذ واسع في أوروبا الشرقية، وسعى إلى توسيع النظام الاشتراكي وتعزيز مكانته الدولية.

وفي مؤتمر يالطا في فبراير 1945، اتفق الحلفاء على مجموعة من الترتيبات المتعلقة بأوروبا وألمانيا بعد الحرب، ثم قسمت ألمانيا بعد الحرب إلى مناطق احتلال بين القوى المنتصرة، كما قسمت برلين إلى قطاعات احتلال بين هذه القوى.

كما عمل الاتحاد السوفياتي على دعم قيام أنظمة شيوعية موالية له في عدد من دول أوروبا الشرقية، في حين سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الحد من انتشار النفوذ السوفياتي.

وهكذا بدأت أوروبا تنقسم إلى معسكرين: معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، ومعسكر شرقي يقوده الاتحاد السوفياتي.

استنتاج: أدى تراجع القوى الأوروبية وصعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى انتقال مركز القوة الدولية نحو قطبين متنافسين، مما مهد لقيام نظام القطبية الثنائية.

2. بداية التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي

بدأ الخلاف بين القوتين العظميين بسبب اختلاف نظاميهما السياسي والاقتصادي وتعارض مصالحهما في أوروبا والعالم.

فقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحد من انتشار الشيوعية، بينما عمل الاتحاد السوفياتي على حماية نفوذه في أوروبا الشرقية ودعم الأنظمة والحركات الشيوعية.

وأدى هذا التنافس إلى انقسام سياسي وفكري واقتصادي بين الدول، وبرز مفهوم الستار الحديدي للدلالة على الانقسام بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية.

3. ردود الفعل المتبادلة وبداية انقسام المعسكرين

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1947 مبدأ ترومان القائم على سياسة احتواء المد الشيوعي ودعم الدول التي اعتبرتها مهددة به، ثم أطلقت مشروع مارشال للمساعدة في إعادة بناء أوروبا وتعزيز ارتباطها بالمعسكر الغربي.

ورد الاتحاد السوفياتي على هذه السياسة من خلال مبدأ جدانوف سنة 1947، الذي أكد انقسام العالم إلى معسكرين متعارضين، كما أنشأ الكومنفورم لتنسيق عمل الأحزاب الشيوعية، ثم أسس الكوميكون سنة 1949 لتنظيم التعاون الاقتصادي بين دول المعسكر الاشتراكي.

وبذلك تعزز انقسام العالم إلى معسكر غربي رأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومعسكر شرقي اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي.

الحرب الباردة الأولى: 1947-1953

1. مفهوم الحرب الباردة ومظاهرها

الحرب الباردة هي صراع وتنافس غير مباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، اتخذ أبعادا سياسية وفكرية واقتصادية وعسكرية، دون وقوع حرب مباشرة بين القوتين العظميين.

أ- المجال السياسي والفكري

تمثل الصراع في التنافس بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، واستعمال الدعاية والإعلام وتعبئة الرأي العام، إضافة إلى دعم كل معسكر لحلفائه والتدخل في الأزمات الدولية.

ب- المجال الاقتصادي

اعتمد المعسكر الغربي على مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا الغربية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دولها، بينما أسس الاتحاد السوفياتي الكوميكون سنة 1949 لتنظيم التعاون الاقتصادي بين دول المعسكر الاشتراكي.

ج- المجال العسكري

أسست الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها حلف شمال الأطلسي “الناتو” سنة 1949، ثم أسس الاتحاد السوفياتي وحلفاؤه حلف وارسو سنة 1955 لاحقا، في إطار ترسيخ التحالف العسكري للمعسكر الشرقي.

كما احتدم سباق التسلح، خاصة في مجال الأسلحة النووية والصواريخ، مما أدى إلى قيام توازن عسكري قائم على الخوف من التدمير المتبادل.

2. أزمات الحرب الباردة الأولى

أ- أزمة برلين الأولى 1948-1949

فرض الاتحاد السوفياتي حصارا على برلين الغربية في يونيو 1948، بهدف الضغط على الدول الغربية الموجودة في المدينة، فردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتنظيم جسر جوي لتزويد سكان برلين الغربية بالمؤن والمواد الأساسية.

وانتهى الحصار في ماي 1949، وأدت الأزمة إلى تعميق انقسام ألمانيا، فأنشئت جمهورية ألمانيا الفيدرالية في الغرب في سبتمبر 1949، وجمهورية ألمانيا الديمقراطية في الشرق في أكتوبر 1949.

ب- الحرب الكورية 1950-1953

كانت شبه الجزيرة الكورية مقسمة إلى كوريا الشمالية ذات النظام الشيوعي وكوريا الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي يونيو 1950 اندلعت الحرب بعد اجتياح كوريا الشمالية للجنوب، فتدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى جانب كوريا الجنوبية، بينما دعمت الصين والاتحاد السوفياتي كوريا الشمالية.

وانتهت الحرب بتوقيع هدنة في يوليو 1953، مع استمرار انقسام شبه الجزيرة الكورية.

نتيجة: ساهمت أزمتا برلين الأولى والحرب الكورية في تصعيد التوتر بين المعسكرين، وأكدتا انتقال الصراع من التنافس السياسي والفكري إلى أزمات دولية ذات طابع عسكري.

التعايش السلمي والحرب الباردة الثانية

1. التعايش السلمي 1953-1975

ظهرت مرحلة التعايش السلمي بعد وفاة ستالين سنة 1953، وارتبطت خصوصا بسياسة نيكيتا خروتشوف في الاتحاد السوفياتي، وبالتوجه نحو الحوار والانفراج في العلاقات الدولية خلال عهد الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور.

ويقصد بالتعايش السلمي مرحلة اتجهت خلالها القوتان العظميان إلى تخفيف التوتر وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، خاصة بسبب خطورة الأسلحة النووية.

ومن أبرز مظاهر هذه المرحلة:

  • توقيع معاهدة القطب الجنوبي سنة 1959، التي نظمت استخدام المنطقة للأغراض السلمية.
  • توقيع معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية سنة 1963، التي حظرت التجارب النووية في الغلاف الجوي والفضاء الخارجي وتحت الماء.
  • توقيع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية سنة 1968.
  • توقيع اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية SALT I سنة 1972، إلى جانب معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية ABM.
  • توقيع وثيقة هلسنكي الختامية سنة 1975، التي شكلت إحدى محطات الانفراج والتعاون بين دول المعسكرين.

ملاحظة: لم تؤد سياسة التعايش السلمي إلى نهاية الحرب الباردة، وإنما شكلت مرحلة من الانفراج النسبي بين القوتين، مع استمرار عدد من الأزمات الدولية.

2. أزمات التعايش السلمي

أ- أزمة برلين الثانية 1961

استمر انقسام برلين إلى قطاعين شرقي وغربي، وشهدت المدينة توترا متزايدا بسبب انتقال عدد كبير من سكان ألمانيا الشرقية نحو الغرب.

وفي سنة 1961، أقامت سلطات ألمانيا الشرقية جدار برلين في ظل دعم الاتحاد السوفياتي، بهدف الحد من الهجرة والعبور غير المرخص نحو برلين الغربية.

وأصبح جدار برلين رمزا لانقسام أوروبا والعالم إلى معسكرين متنافسين.

ب- الأزمة الكوبية 1962

بدأت الأزمة عندما اكتشفت الولايات المتحدة الأمريكية وجود صواريخ باليستية سوفياتية في كوبا، مما أدى إلى تصاعد التوتر بين القوتين العظميين.

وفرضت الولايات المتحدة حجرا بحريا على كوبا، وهددت باتخاذ إجراءات عسكرية، مما جعل العالم يقترب من مواجهة نووية.

وانتهت الأزمة بعد مفاوضات بين الطرفين، حيث سحب الاتحاد السوفياتي صواريخه من كوبا، مقابل تعهد الولايات المتحدة الأمريكية بعدم غزو كوبا.

نتيجة: أظهرت الأزمة الكوبية خطورة سباق التسلح النووي، ودفع خطر اندلاع حرب نووية القوتين العظميين إلى البحث عن وسائل للحد من التوتر والتفاوض المباشر.

ج- حرب فيتنام 1965-1975

تحولت فيتنام إلى إحدى أبرز ساحات الصراع بين المعسكرين. فبعد انقسامها، دعمت الولايات المتحدة فيتنام الجنوبية، بينما دعمت القوى الشيوعية فيتنام الشمالية.

وتدخلت الولايات المتحدة عسكريا بشكل مباشر ابتداء من سنة 1965، واستمر الصراع إلى أن انسحبت القوات الأمريكية بموجب اتفاق باريس سنة 1973.

وانتهت الحرب سنة 1975 بانتصار الشمال وسقوط سايغون، ثم تم توحيد فيتنام رسميا سنة 1976.

3. الحرب الباردة الثانية 1975-1989

شهدت العلاقات بين القوتين العظميين عودة واضحة إلى التوتر بعد مرحلة التعايش السلمي، نتيجة تصاعد التنافس الدولي واشتداد الصراع في عدد من مناطق العالم.

ومن أبرز مظاهر الحرب الباردة الثانية:

أ- تصاعد الصراع في العالم الثالث

اتسع التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي في عدد من دول العالم الثالث، حيث دعمت كل قوة أنظمة أو حركات سياسية وعسكرية مرتبطة بمصالحها.

ومن أبرز مظاهر هذا التنافس اتساع النفوذ السوفياتي في عدد من الدول، مثل أنغولا وموزمبيق، وتدخله العسكري في أفغانستان سنة 1979، مقابل دعم الولايات المتحدة للأنظمة والحركات المناهضة للنفوذ السوفياتي في مناطق مختلفة، خاصة في أمريكا الوسطى.

ب- تجدد سباق التسلح

تصاعد سباق التسلح بين القوتين العظميين، خاصة في مجال الصواريخ والأسلحة النووية.

وفي سنة 1983 أعلن الرئيس الأمريكي رونالد ريغان مشروع الدفاع الاستراتيجي، المعروف باسم “حرب النجوم”، بهدف تطوير وسائل دفاعية لاعتراض الصواريخ الباليستية، بما في ذلك تقنيات مرتبطة بالفضاء.

وعكس المشروع تصاعد التنافس العسكري والتكنولوجي بين القوتين خلال الحرب الباردة الثانية.

ج- بداية نهاية الحرب الباردة

بدأ التوتر الدولي يتراجع خلال النصف الثاني من الثمانينيات، خاصة مع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى قيادة الاتحاد السوفياتي سنة 1985، واعتماده سياسة الإصلاح والانفتاح وتحسين العلاقات مع الغرب.

وفي سنة 1989 سقطت عدة أنظمة اشتراكية في أوروبا الشرقية، ثم سقط جدار برلين في نونبر 1989، وهو ما شكل رمزا قويا لتراجع نظام القطبية الثنائية وانتهاء انقسام أوروبا.

وانتهى نظام القطبية الثنائية نهائيا بانهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991.

خلاصة الدرس

أدى صعود الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية إلى قيام نظام دولي ثنائي القطبية، اتسم بالتنافس والصراع غير المباشر بين المعسكرين خلال الحرب الباردة. وتدرج هذا الصراع من الحرب الباردة الأولى وأزماتها، إلى مرحلة التعايش السلمي، ثم عودة التوتر خلال الحرب الباردة الثانية. وشكل سقوط جدار برلين سنة 1989 رمزا لتراجع نظام القطبية الثنائية، بينما مثل انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 النهاية النهائية لهذا النظام.

مصطلحات ومفاهيم أساسية

نظام القطبية الثنائية

نظام دولي يقوم على وجود قوتين عظميين تتركز حولهما التحالفات والنفوذ الدولي.

الحرب الباردة

صراع غير مباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، اتخذ أبعادا سياسية وفكرية واقتصادية وعسكرية، دون حرب مباشرة بينهما.

المعسكر الغربي

مجموعة الدول المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية والتي تبنت أساسا النظام الرأسمالي.

المعسكر الشرقي

مجموعة الدول المرتبطة بالاتحاد السوفياتي والتي تبنت أساسا النظام الاشتراكي.

الستار الحديدي

تعبير يدل على الانقسام السياسي والفكري الذي فصل أوروبا الغربية عن أوروبا الشرقية خلال الحرب الباردة.

مبدأ ترومان

سياسة أمريكية أعلنها الرئيس هاري ترومان سنة 1947 بهدف احتواء انتشار الشيوعية ودعم الدول التي اعتبرتها الولايات المتحدة مهددة بالمد الشيوعي.

مشروع مارشال

برنامج أمريكي للمساعدة الاقتصادية وإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أعلن عنه سنة 1947.

الكومنفورم

جهاز أنشئ سنة 1947 لتنسيق عمل الأحزاب الشيوعية في المعسكر الاشتراكي.

SALT I

اتفاق للحد من بعض الأسلحة الاستراتيجية وقع بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي سنة 1972.