القضية الفلسطينية: جذور القضية وأشكال التمركز الصهيوني الثانية باك

5 دقائق قراءة

تقديم إشكالي

ارتبطت جذور القضية الفلسطينية بظهور الحركة الصهيونية في أوروبا خلال أواخر القرن 19م، وسعيها إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، ثم استفاد المشروع الصهيوني من الدعم البريطاني، خاصة بعد صدور وعد بلفور سنة 1917م وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين. وقد ساهمت الهجرة والاستيطان وشراء الأراضي وبناء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية في تعزيز التمركز الصهيوني، مما أدى إلى تصاعد المقاومة الفلسطينية خلال فترة ما بين الحربين.

فما هي جذور القضية الفلسطينية وتطوراتها إلى غاية 1939م ؟ وما أبرز أشكال التمركز الصهيوني في فلسطين؟ وكيف تطور رد الفعل الفلسطيني تجاهه ؟

جذور القضية الفلسطينية وتطورها إلى غاية اندلاع الحرب العالمية الثانية

1 – البوادر الأولى للحركة الصهيونية

ظهور الحركة الصهيونية: ظهرت الصهيونية كحركة سياسية قومية يهودية في أوروبا خلال أواخر القرن 19م، في سياق اتسم بانتشار الاضطهاد والتمييز ضد اليهود، وسعت إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

تيودور هرتزل: ساهم الصحفي والسياسي النمساوي تيودور هرتزل في تنظيم الحركة الصهيونية سياسيا، ونشر سنة 1896م كتابه «الدولة اليهودية»، ودعا فيه إلى الحصول على اعتراف دولي بالمشروع الصهيوني.

معلومة: لا تعني هذه المرحلة ظهور فكرة التوجه نحو فلسطين لأول مرة، وإنما شكلت انتقال الصهيونية إلى تنظيم سياسي أكثر وضوحا، خاصة مع نشاط هرتزل.

مؤتمر بال: انعقد أول مؤتمر صهيوني بمدينة بال السويسرية بين 29 و31 غشت 1897م برئاسة هرتزل، وتم خلاله وضع «برنامج بال» الذي هدف إلى تنظيم الوسائل السياسية والمالية والاستيطانية اللازمة لتحقيق المشروع الصهيوني وإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

تنبيه: يفضل في الامتحان التمييز بين مؤتمر بال سنة 1897م ووعد بلفور سنة 1917م؛ فالأول محطة أساسية في تنظيم الحركة الصهيونية، بينما الثاني مثل دعما رسميا بريطانيا للمشروع الصهيوني.

وعد بلفور: أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في 2 نونبر 1917م تصريحا أعلنت فيه بريطانيا تأييدها لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، مع التأكيد على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود.

نتيجة: ساهم وعد بلفور في توفير دعم سياسي بريطاني للمشروع الصهيوني، وأصبح لاحقا جزءا من الإطار السياسي والقانوني للانتداب البريطاني على فلسطين.

2 – تطورات القضية الفلسطينية في ظل الانتداب البريطاني

  • فرض الانتداب البريطاني: خلال مؤتمر سان ريمو سنة 1920م، تقرر وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني ضمن ترتيبات الانتدابات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. وصادق مجلس عصبة الأمم سنة 1922م على صك الانتداب على فلسطين، ودخل حيز التنفيذ سنة 1923م.
  • تعزيز المؤسسات الصهيونية: استفادت الحركة الصهيونية من الإطار الذي وفره الانتداب البريطاني لتعزيز مؤسساتها وتنظيم الهجرة والاستيطان. وتوسعت الوكالة اليهودية في أدوارها بعد سنة 1929م، وأصبحت تؤدي أدوارا سياسية وتنظيمية واقتصادية واجتماعية مرتبطة بالهجرة والاستيطان وبناء المؤسسات اليهودية.
  • الهجرة اليهودية: ارتفعت الهجرة اليهودية إلى فلسطين خلال السنوات الأولى من الانتداب، ثم تراجعت خلال فترة الكساد الاقتصادي العالمي، قبل أن ترتفع بشكل واضح خلال ثلاثينيات القرن 20م بسبب تصاعد الاضطهاد النازي لليهود في أوروبا.
  • الكتاب الأبيض لسنة 1922م: أوضحت بريطانيا من خلاله أن مفهوم الوطن القومي اليهودي لا يعني تحويل فلسطين كلها إلى دولة يهودية، مع التأكيد على حماية حقوق السكان غير اليهود.
  • الكتاب الأبيض لسنة 1930م: تضمن إجراءات هدفت إلى الحد من الهجرة اليهودية ونقل الأراضي العربية إلى اليهود، قبل أن تؤكد بريطانيا سنة 1931م استمرار التزامها بإقامة الوطن القومي اليهودي.
  • ملاحظة: تكشف هذه المواقف البريطانية عن وجود تباين بين دعم المشروع الصهيوني من جهة ومحاولات ضبط الهجرة والاستيطان من جهة أخرى، دون أن يعني ذلك تخلي بريطانيا عن التزاماتها تجاه المشروع الصهيوني.
  • لجنة بيل: شكلت بريطانيا اللجنة الملكية لفلسطين سنة 1936م، وقدمت تقريرها سنة 1937م، واقترحت تقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، مع بقاء مناطق أخرى تحت السيطرة البريطانية. رفض الفلسطينيون المشروع، بينما قبلت القيادة الصهيونية مبدأ التقسيم أساسا للتفاوض، دون قبول المشروع بصيغته النهائية.
  • الكتاب الأبيض لسنة 1939م: حددت بريطانيا الهجرة اليهودية إلى فلسطين في 75 ألف مهاجر خلال خمس سنوات، وربطت الهجرة بعد ذلك بموافقة العرب، كما فرضت قيودا على انتقال الأراضي، وتوجهت نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات.

استنتاج: تطورت القضية الفلسطينية خلال فترة الانتداب من خلال تداخل ثلاثة عوامل أساسية: الدعم البريطاني للمشروع الصهيوني، وتزايد الهجرة والاستيطان اليهودي، وتصاعد الرفض والمقاومة الفلسطينية.

أشكال التمركز الصهيوني وتطور رد الفعل الفلسطيني

1 – أشكال التمركز الصهيوني فيما بين الحربين

التمركز الديمغرافي: اعتمد المشروع الصهيوني على تشجيع الهجرة اليهودية وإقامة المستوطنات، مما ساهم في زيادة عدد اليهود وتعزيز وجودهم السكاني في فلسطين.

التمركز العقاري والاستيطاني: عملت المؤسسات الصهيونية والأفراد على شراء الأراضي وإقامة المستوطنات الزراعية. وأدى شراء بعض الأراضي من كبار الملاك، ومن بينهم ملاك غائبون عن فلسطين، إلى إخلاء عدد من الفلاحين العرب الذين كانوا يستغلونها.

التمركز الاقتصادي: ساهمت المؤسسات الصهيونية في تطوير الزراعة والصناعة والتجارة والاستثمار، كما استفادت المشاريع والمؤسسات اليهودية من تشجيع سلطات الانتداب ومن إجراءات ساعدت على تنمية النشاط الاقتصادي.

التمركز المؤسساتي والاجتماعي: أنشئت مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية لتنظيم المجتمع اليهودي، ومن أبرزها الهستدروت التي تأسست سنة 1920م، وأسهمت في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع اليهودي.

التمركز العسكري: تأسست منظمة الهاغانا سنة 1920م، ثم منظمة الأرغون سنة 1931م، مما ساهم في تنظيم القوة العسكرية داخل المجتمع اليهودي وتعزيز القدرة على حماية المستوطنات والمصالح الصهيونية.

نتيجة: لم يقتصر التمركز الصهيوني على زيادة عدد اليهود في فلسطين، بل شمل أيضا الأرض والاقتصاد والمؤسسات والقوة العسكرية، مما ساعد على بناء مجتمع يهودي منظم ومهيأ لتعزيز المشروع الصهيوني.

2 – تطور رد الفعل الفلسطيني

بدأ رد الفعل الفلسطيني في البداية بالاحتجاج السياسي والمظاهرات والإضرابات والمواجهات الشعبية، ثم تطور تدريجيا نحو المقاومة المسلحة مع استمرار الهجرة والاستيطان والدعم البريطاني للمشروع الصهيوني.

المرحلة الأولى

من 1920م إلى 1935م

تميزت هذه المرحلة بتعدد أشكال المقاومة الفلسطينية، ومن أبرزها:

أحداث القدس سنة 1920م: اندلعت مواجهات واحتجاجات فلسطينية ضد السياسة البريطانية والمشروع الصهيوني.

أحداث يافا سنة 1921م: شهدت يافا مواجهات بين العرب واليهود، في سياق تصاعد التوتر حول الهجرة والاستيطان.

أحداث البراق سنة 1929م: اندلعت على خلفية التوتر حول حائط البراق، وتحولت إلى اضطرابات واسعة بين العرب واليهود في فلسطين.

أحداث سنة 1933م: شهدت فلسطين مظاهرات واحتجاجات ضد السياسة البريطانية وتزايد الهجرة والاستيطان اليهودي.

مقاومة عز الدين القسام سنة 1935م: قاد عز الدين القسام نشاطا مسلحا ضد سلطات الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني، واستشهد في مواجهة مع القوات البريطانية في نونبر 1935م، مما جعله رمزا بارزا للمقاومة المسلحة.

المرحلة الثانية

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936–1939م

الإضراب العام: اندلع الإضراب العام في أبريل 1936م، واستمر حوالي ستة أشهر، وطالب بوقف الهجرة اليهودية والحد من الاستيطان وإنهاء الانتداب البريطاني.

المقاومة المسلحة: بعد مرحلة الإضراب، اتسعت المقاومة المسلحة ضد سلطات الانتداب البريطاني والمستوطنات والقوات الصهيونية، واستمرت بأشكال مختلفة إلى سنة 1939م.

اللجنة العربية العليا: تأسست سنة 1936م لتنسيق الموقف السياسي الفلسطيني، وأصبحت من أبرز الهيئات التي قادت العمل السياسي خلال الثورة.

القمع البريطاني: واجهت سلطات الانتداب الثورة بالقمع والاعتقالات والإجراءات العسكرية، كما أرسلت لجانا للتحقيق في أسباب الاضطرابات واقتراح حلول للقضية الفلسطينية.

لجنة بيل: اقترحت سنة 1937م تقسيم فلسطين، فرفض الفلسطينيون المشروع، بينما قبلت القيادة الصهيونية مبدأ التقسيم أساسا للتفاوض، دون قبول المشروع بصيغته النهائية.

الكتاب الأبيض لسنة 1939م: جاء في نهاية هذه المرحلة ليقترح الحد من الهجرة اليهودية وتقييد انتقال الأراضي، والتوجه نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات.

خلاصة الدرس

تطورت القضية الفلسطينية منذ ظهور الحركة الصهيونية أواخر القرن 19م، وتعزز المشروع الصهيوني خلال فترة الانتداب البريطاني عبر الهجرة والاستيطان وشراء الأراضي وبناء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. وفي المقابل، انتقل رد الفعل الفلسطيني من الاحتجاج السياسي والمقاومة الشعبية إلى المقاومة المسلحة، وبلغ ذروته في الثورة الفلسطينية الكبرى بين 1936 و1939م.

مصطلحات ومفاهيم أساسية

الصهيونية

حركة سياسية قومية يهودية ظهرت في أوروبا خلال أواخر القرن 19م، هدفت إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

تيودور هرتزل

صحفي وسياسي نمساوي ساهم في تنظيم الحركة الصهيونية سياسيا، ونشر سنة 1896م كتاب «الدولة اليهودية».

مؤتمر بال

أول مؤتمر صهيوني عالمي انعقد بمدينة بال السويسرية بين 29 و31 غشت 1897م برئاسة هرتزل، ووضع أسس تنظيم المشروع الصهيوني.

برنامج بال

برنامج أقره المؤتمر الصهيوني الأول، وحدد الوسائل السياسية والمالية والاستيطانية اللازمة لتحقيق المشروع الصهيوني.

وطن قومي يهودي

مشروع سياسي تبنته الحركة الصهيونية ودعمته بريطانيا في وعد بلفور، وأصبح جزءا من صك الانتداب، بهدف تمكين اليهود من بناء مؤسسات ومجتمع يهودي منظم في فلسطين.

وعد بلفور

تصريح بريطاني صدر في 2 نونبر 1917م، أعلنت فيه بريطانيا تأييدها لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، مع التأكيد على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود.

الانتداب البريطاني

نظام وضع فلسطين تحت إدارة بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى في إطار نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم.

الوكالة اليهودية

مؤسسة صهيونية توسعت أدوارها بعد سنة 1929م، وأسهمت في تنظيم الهجرة والاستيطان وبناء المؤسسات اليهودية والنشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

التمركز الصهيوني

مجموع العمليات التي هدفت إلى تعزيز الوجود اليهودي في فلسطين من خلال الهجرة والاستيطان وشراء الأراضي وبناء المؤسسات وتطوير النشاط الاقتصادي والعسكري.

الهستدروت

منظمة نقابية واقتصادية واجتماعية يهودية تأسست سنة 1920م، وأسهمت في تنظيم المجتمع اليهودي في فلسطين.

الهاغانا

منظمة عسكرية يهودية تأسست سنة 1920م، وعملت على حماية المستوطنات والمصالح الصهيونية.

الأرغون

منظمة عسكرية صهيونية تأسست سنة 1931م.

أحداث البراق

مواجهات اندلعت سنة 1929م على خلفية التوتر حول حائط البراق، وتحولت إلى اضطرابات واسعة بين العرب واليهود في فلسطين.

عز الدين القسام

من أبرز قادة المقاومة الفلسطينية المسلحة في ثلاثينيات القرن 20م، واستشهد في مواجهة مع القوات البريطانية سنة 1935م.

الثورة الفلسطينية الكبرى

ثورة فلسطينية اندلعت سنة 1936م واستمرت إلى سنة 1939م، واتخذت شكل الإضراب العام ثم المقاومة المسلحة ضد الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني.

اللجنة العربية العليا

هيئة سياسية فلسطينية تأسست سنة 1936م لتنسيق الموقف السياسي وقيادة العمل الوطني خلال الثورة.

لجنة بيل

لجنة ملكية بريطانية شكلت سنة 1936م، وقدمت سنة 1937م مشروعا لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود.

الكتاب الأبيض

وثيقة بريطانية تحدد السياسة البريطانية تجاه فلسطين، ومن أبرزها الكتاب الأبيض لسنتي 1922 و1939م.

الكتاب الأبيض لسنة 1939م

سياسة بريطانية حددت الهجرة اليهودية في 75 ألفا خلال خمس سنوات، وفرضت قيودا على انتقال الأراضي، وتوجهت نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات.