درس تنظيم المجال العالمي في إطار العولمة الثانية باك

7 دقائق قراءة

المادة: الجغرافيا
المستوى: السنة الثانية بكالوريا اداب وعلوم انسانية

مقدمة

أدى تطور العولمة إلى تزايد الترابط بين مختلف مناطق العالم، من خلال تنامي المبادلات التجارية والاستثمارات والتدفقات المالية والبشرية والتكنولوجية. غير أن هذه الترابطات لا تتم بين مجالات متساوية، إذ تختلف درجة اندماجها في الاقتصاد العالمي وقدرتها على التأثير فيه.

فما هي عناصر تنظيم المجال العالمي ومعايير تصنيفه؟ وما خصائص المجالات المهيمنة والمندمجة والمجالات في طور الاندماج والمجالات الأقل اندماجا؟ وما طبيعة الترابطات بين مختلف المجالات العالمية وانعكاساتها؟

أولا: عناصر تنظيم المجال العالمي والمعايير المتحكمة فيه

1. مجالات تنظيم المجال العالمي

ينتظم المجال العالمي في إطار العولمة في مجالات متفاوتة، ويمكن التمييز بين أربع فئات رئيسية:

أ- المجالات المهيمنة: وهي المجالات المركزية التي تتوفر على قوة اقتصادية ومالية وتكنولوجية كبيرة، وتمتلك قدرة مرتفعة على التأثير في الاقتصاد العالمي، ومن أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية واليابان.

ب- المجالات المندمجة: وهي مجالات حققت درجات مهمة من الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتشمل اقتصادات صناعية جديدة وقوى اقتصادية صاعدة وبعض الدول النفطية وغيرها من الاقتصادات النامية التي حققت اندماجا قويا في الاقتصاد العالمي.

ج- المجالات في طور الاندماج: وهي مجالات تعمل على تعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي، مستفيدة من التصنيع والاستثمارات والموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والأسواق. ومن أمثلتها بعض دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا، حيث تختلف درجة الاندماج من دولة إلى أخرى.

د- المجالات الأقل اندماجا: وهي المجالات التي تعاني من ضعف المشاركة في المبادلات والاستثمارات العالمية، ومن محدودية القدرات الاقتصادية والتكنولوجية.

ملاحظة: لا يعني انتماء دولة أو مجال إلى منطقة جغرافية معينة امتلاك جميع دولها الدرجة نفسها من الاندماج في الاقتصاد العالمي، إذ تختلف درجة الاندماج من دولة إلى أخرى.

2. المعايير المتحكمة في تنظيم المجال العالمي

يمكن تحديد درجة اندماج المجالات في الاقتصاد العالمي اعتمادا على مجموعة من المعايير، من أبرزها:

  1. الناتج الداخلي الخام ونصيب الفرد منه: الناتج الداخلي الخام هو القيمة الإجمالية للسلع والخدمات النهائية المنتجة داخل بلد ما خلال فترة زمنية معينة، ويستخدم لقياس حجم النشاط الاقتصادي. أما نصيب الفرد منه فيحسب بقسمة الناتج الداخلي الخام على عدد السكان، ويستخدم للمقارنة التقريبية بين البلدان من حيث مستوى الناتج الاقتصادي بالنسبة لعدد السكان.
  2. مؤشر التنمية البشرية: وهو مؤشر مركب يقيس ثلاثة أبعاد أساسية للتنمية: حياة طويلة وصحية، واكتساب المعرفة، ومستوى معيشي لائق.
  3. المبادلات التجارية والاستثمارات: تؤثر قوة المبادلات التجارية وقدرة الدول على استقطاب الاستثمارات الأجنبية في درجة اندماجها في الاقتصاد العالمي. والاستثمارات الأجنبية المباشرة هي استثمارات تقوم بها شركات أو مؤسسات في بلد أجنبي لإنشاء أو توسيع نشاط اقتصادي فيه.
  4. القدرات العلمية والتكنولوجية: وتشمل البحث العلمي والابتكار والقدرة على تطوير واستعمال التكنولوجيا.
  5. شبكات النقل والاتصال: تساهم جودة البنيات التحتية للنقل والاتصالات في تسهيل المبادلات وربط المجالات العالمية.
  6. الوزن السياسي والمؤسساتي: يؤثر الحضور السياسي والمؤسساتي للدول في قدرتها على المشاركة في تنظيم العلاقات الاقتصادية الدولية.

ثانيا: المجالات المهيمنة في إطار العولمة

1. نطاق امتداد المجالات المهيمنة ومؤهلاتها

تتمثل المجالات المهيمنة أساسا في الثالوث العالمي، أي الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية واليابان، إلى جانب مراكز اقتصادية متقدمة أخرى.

وقد استفادت هذه المجالات من مجموعة من العوامل التاريخية والاقتصادية والعلمية، من أبرزها الثورة الصناعية التي انطلقت ببريطانيا خلال القرن 18 وانتشرت في أوروبا وأمريكا الشمالية، وإصلاحات ميجي التي بدأت باليابان سنة 1868، وتراكم رؤوس الأموال وتطور المؤسسات والأسواق المالية.

كما استفادت من التحولات الاقتصادية التي عرفها القرنان 19 و20، ومن التطورات التي أعقبت الحربين العالميتين، ومن مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.

وتعززت مكانتها بفضل توفر اليد العاملة المؤهلة والخبرات العلمية والتقنية، وتطور البحث العلمي والابتكار، واتساع الأسواق وارتفاع القدرة الشرائية، إضافة إلى تطور شبكات النقل والاتصال.

2. مظاهر تفوق المجالات المهيمنة على الصعيد العالمي

تتجلى قوة المجالات المهيمنة في عدة مظاهر، أهمها:

  • التفوق الصناعي.
  • قوة المبادلات التجارية.
  • القوة المالية والنقدية.
  • التفوق العلمي والتكنولوجي.
  • أهمية الموارد البشرية واتساع الأسواق.
  • تطور شبكات النقل والاتصال.
  • التأثير الثقافي والإعلامي.

ثالثا: باقي المجالات العالمية حسب درجة اندماجها في العولمة

1. المجالات المندمجة في العولمة

تشمل المجالات المندمجة اقتصادات صناعية جديدة وقوى اقتصادية صاعدة وبعض الدول النفطية، إضافة إلى اقتصادات أخرى حققت اندماجا قويا في الاقتصاد العالمي.

وتتميز هذه المجالات بتطور الصناعة والخدمات، واتساع الأسواق، وارتفاع قدرتها على التصدير، واستقطاب الاستثمارات، وتنامي دورها في الاقتصاد العالمي.

الاقتصادات الصناعية الجديدة هي اقتصادات شهدت تصنيعا ونموا اقتصاديا سريعين، ومن أبرز أمثلتها التنينات الآسيوية الأربعة: كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة.

وتعد بعض القوى الاقتصادية الصاعدة، مثل الصين والهند والبرازيل، من أبرز المجالات التي عززت حضورها في الاقتصاد العالمي بفضل نمو الصناعة والخدمات واتساع الأسواق والاستثمارات والمبادلات التجارية.

كما استفادت بعض الدول النفطية من عائدات النفط والغاز، مما مكنها من تحقيق مستويات مرتفعة من الدخل واندماج مهم في الاقتصاد العالمي، مع اختلاف واضح بينها في مستوى التنمية وتنويع الاقتصاد.

2. المجالات في طور الاندماج

تشمل هذه المجالات دولا تعمل على تعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي من خلال تطوير الصناعة والخدمات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتنمية الصادرات، وتحسين البنية التحتية.

ومن أمثلتها بعض دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا، حيث تختلف درجة الاندماج من دولة إلى أخرى.

وتساعد المناطق الحرة على جذب الاستثمارات وتنشيط المبادلات، وهي مجالات اقتصادية تخضع لنظام جمركي وتنظيمي خاص، وتمنح فيها تسهيلات وحوافز بهدف جذب الاستثمارات وتنشيط المبادلات.

3. المجالات الأقل اندماجا

تضم هذه المجالات عددا من الدول الأقل تقدما، إضافة إلى مجالات أخرى تعاني من ضعف الاندماج في الاقتصاد العالمي.

وتتميز غالبا بضعف التصنيع، ومحدودية البنية التحتية، وضعف القدرة على جذب الاستثمارات، والاعتماد الكبير على تصدير المواد الأولية، وانخفاض مستويات التنمية البشرية.

وتوجد أغلبية الدول الأقل تقدما في إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب دول أخرى في مناطق مختلفة من العالم.

4. مقومات اندماج دول الجنوب في العولمة

تتوفر بعض دول الجنوب على مجموعة من المقومات التي تساعدها على الاندماج في الاقتصاد العالمي، من أبرزها:

  • توفر بعض الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة القابلة للاستثمار والتصدير.
  • توفر اليد العاملة واتساع الأسواق.
  • الموقع الجغرافي الاستراتيجي لبعض الدول.
  • نمو الاستثمارات الأجنبية.
  • تطور المناطق الحرة والمناطق الصناعية.
  • تحسن شبكات النقل والاتصال.
  • تنامي الصناعات والخدمات وتنوع الصادرات في بعض الدول.

5. معيقات اندماج دول الجنوب في العولمة

تواجه بعض دول الجنوب عدة معيقات، من أبرزها ضعف البنية التحتية، ومحدودية القدرات العلمية والتكنولوجية، وضعف التصنيع، وارتفاع المديونية في بعض الدول، وعدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في بعض الدول والمجالات، إضافة إلى ضعف القدرة التنافسية لبعض المنتجات.

رابعا: الترابطات بين المجالات العالمية في إطار العولمة

1. طبيعة الترابطات بين المجالات العالمية في إطار العولمة

ترتبط المجالات العالمية بشبكة واسعة من التدفقات، من أبرزها:

  • التدفقات التجارية، وتشمل السلع والخدمات.
  • التدفقات المالية، وتشمل رؤوس الأموال والاستثمارات.
  • التدفقات البشرية، وتشمل حركات الأشخاص والهجرة.
  • التدفقات التكنولوجية والمعلوماتية، وتشمل انتقال المعارف والتقنيات والمعلومات بين مختلف المجالات العالمية.

وأدى تطور العولمة إلى توزيع مراحل إنتاج السلع والخدمات بين عدة دول ومناطق، فقد يتم التصميم وإنتاج المكونات والتجميع والتسويق في بلدان مختلفة، مما يعمق الترابط بين الاقتصادات.

وتساهم في تأطير وتنظيم جانب من هذه العلاقات شركات متعددة الجنسيات ومؤسسات ومنظمات دولية، من أبرزها منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إضافة إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي تضطلع بدور في التعاون الاقتصادي والدراسات والسياسات الاقتصادية.

2. الانعكاسات المترتبة عن اختلال التوازن بين المجالات العالمية

يترتب عن تفاوت المجالات العالمية مجموعة من الانعكاسات، من أبرزها:

  • استمرار التفاوت في مستويات التنمية والدخل.
  • تفاوت القدرة على استقطاب الاستثمارات والتكنولوجيا.
  • استمرار اعتماد بعض المجالات على تصدير المواد الأولية.
  • استمرار أو تنامي بعض حركات الهجرة المرتبطة بالفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المجالات.
  • زيادة الترابط بين مختلف مناطق العالم.
  • بروز قوى اقتصادية جديدة وتعاظم دورها في الاقتصاد العالمي.

نتيجة: يؤدي تفاوت المجالات العالمية إلى علاقات متبادلة ومترابطة، لكنها لا تتم في ظروف متكافئة دائما، مما يجعل الاندماج في العولمة متفاوتا بين مختلف مناطق العالم.

خاتمة

ينتظم المجال العالمي في إطار العولمة في مجالات متفاوتة من حيث القوة الاقتصادية ودرجة الاندماج، تتصدرها المجالات المهيمنة، وتليها مجالات مندمجة بدرجات مختلفة، بينما تعمل مجالات أخرى على تعزيز اندماجها أو تعاني من ضعف الاندماج. وترتبط هذه المجالات بشبكة واسعة من التدفقات التجارية والمالية والبشرية والتكنولوجية، مما يجعل الاقتصاد العالمي أكثر ترابطا مع استمرار التفاوت بين مكوناته.

مصطلحات ومفاهيم أساسية

المجال العالمي

فضاء عالمي تنتظم داخله مجموعة من المجالات المرتبطة فيما بينها بشبكة من العلاقات والتدفقات البشرية والاقتصادية والمالية والتكنولوجية.

المركز

المجالات التي تمتلك قدرات اقتصادية ومالية وتكنولوجية كبيرة، وتؤثر بدرجة قوية في تنظيم الاقتصاد العالمي.

الهامش

المجالات الأقل قدرة على التأثير في تنظيم الاقتصاد العالمي، وقد تكون أقل اندماجا أو أكثر تبعية للمجالات المركزية.

دول الشمال

مفهوم جغرافي-اقتصادي يشير إلى مجموعة من الدول ذات مستويات مرتفعة نسبيا من التنمية والقوة الاقتصادية، مع عدم التطابق الكامل بين موقعها الجغرافي ومستواها الاقتصادي.

دول الجنوب

مفهوم جغرافي-اقتصادي يشير إلى مجموعة واسعة ومتباينة من الدول ذات مستويات متفاوتة من التنمية والقوة الاقتصادية ودرجة الاندماج في الاقتصاد العالمي.

مؤشر التنمية البشرية

مؤشر مركب يقيس ثلاثة أبعاد أساسية للتنمية: حياة طويلة وصحية، واكتساب المعرفة، ومستوى معيشي لائق.

كتبه

StudyMaroc