سقوط الإمبراطورية العثمانية وتوغل الاستعمار في المشرق العربي الثانية باك

6 دقائق قراءة

المادة: التاريخ
المستوى: السنة الثانية بكالوريا اداب وعلوم انسانية

مقدمة

تعرضت الإمبراطورية العثمانية منذ القرن 18م لتراجع تدريجي في قوتها، وتفاقمت أزمتها خلال القرن 19م رغم الإصلاحات التي قامت بها، مما أدى إلى فقدانها مناطق واسعة من ممتلكاتها وتزايد التدخل الأوروبي في شؤونها. وتعمقت أزمتها خلال الحرب العالمية الأولى، وانتهى الأمر بسقوطها وإعادة تنظيم المشرق العربي تحت النفوذ الاستعماري البريطاني والفرنسي.

فما أسباب انهيار الإمبراطورية العثمانية؟ وما دور الحرب العالمية الأولى في سقوطها؟ وكيف توغل الاستعمار في المشرق العربي بعد ذلك؟

أسباب انهيار الإمبراطورية العثمانية

1. الأسباب الداخلية

سياسيا وإداريا: ضعف السلطة المركزية، وتفشي الفساد والرشوة والمحسوبية، وتراجع فعالية الإدارة، وفشل إصلاحات التنظيمات في معالجة الاختلالات التي كانت تعاني منها الدولة، إضافة إلى ظهور معارضة سياسية وتزايد الحركات القومية والانفصالية.

اقتصاديا وماليا: تدهور مالية الدولة، وتراجع مواردها، وارتفاع نفقاتها، وتزايد العجز المالي، واللجوء المتزايد إلى الاقتراض الخارجي، مما أدى إلى تراكم الديون وتزايد التدخل الأوروبي في المالية العثمانية.

عسكريا: ضعف الجيش العثماني وتراجع قدرته على مواجهة الجيوش الأوروبية الحديثة، وتوالي الهزائم العسكرية، وتفاقم الخسائر خلال حروب البلقان 1912-1913، مما أدى إلى فقدان الدولة العثمانية معظم ممتلكاتها الأوروبية.

اجتماعيا وقوميا: تنامي الحركات القومية والانفصالية، وتزايد النزعة المركزية وسياسة التتريك في المرحلة الأخيرة من الدولة العثمانية، مما ساهم في توتر علاقتها ببعض الشعوب، ومنها العرب.

ملاحظة: ساهمت هذه العوامل في فقدان الإمبراطورية العثمانية تدريجيا لعدد من ممتلكاتها الأوروبية والعربية، وعجزها عن مقاومة التوسع الاستعماري الأوروبي.

2. الأسباب الخارجية

ساهمت عوامل خارجية متعددة في إضعاف الإمبراطورية العثمانية، من أبرزها:

  • التفوق الأوروبي: تفوق الدول الأوروبية عسكريا وتقنيا واقتصاديا، واستغلالها ضعف الدولة العثمانية للتوسع على حساب ممتلكاتها.
  • الامتيازات الأجنبية: استفادة الرعايا والتجار الأوروبيين من امتيازات اقتصادية وقضائية داخل الدولة العثمانية، مما أضعف استقلالها الاقتصادي والقضائي.
  • الحمايات القنصلية: استفادة القناصل والدول الأوروبية من امتيازات ووسائل حماية قضائية وإدارية، واستغلالها لتوسيع نفوذهم والتدخل في شؤون الدولة العثمانية.
  • التغلغل الاقتصادي الأوروبي: توسع الاستثمارات والقروض والامتيازات الأجنبية، وارتباط الاقتصاد العثماني تدريجيا بالمصالح والأسواق الأوروبية.
  • إدارة الدين العمومي العثماني: أنشئت سنة 1881 في إطار تسوية الديون العثمانية، وخضعت لنفوذ الدائنين الأوروبيين، وأشرفت على تحصيل جزء من موارد الدولة وتخصيصها لتسديد الديون، مما عزز التدخل الأوروبي في المالية العثمانية.

المسألة الشرقية: مشكلة دولية نتجت عن ضعف الإمبراطورية العثمانية وتنافس الدول الأوروبية حول ممتلكاتها ومناطق نفوذها، وساهمت في زيادة الضغوط السياسية والعسكرية عليها.

3. دور ظروف الحرب العالمية الأولى في سقوط الإمبراطورية العثمانية

انضمت الدولة العثمانية سنة 1914 إلى دول الوسط، التي كانت ألمانيا والنمسا-المجر أبرز قوتين فيها، ودخلت الحرب ضد دول الحلفاء، مما أدى إلى استنزاف مواردها وتعرضها لهزائم عسكرية متتالية.

ساهمت مجموعة من التطورات خلال الحرب في تسريع تفكك الإمبراطورية العثمانية:

الثورة العربية سنة 1916: أعلن الشريف الحسين بن علي الثورة العربية من الحجاز بدعم بريطاني، بهدف التخلص من الحكم العثماني وتحقيق الاستقلال العربي.

اتفاقية سايكس بيكو 1916: عقدت بريطانيا وفرنسا الاتفاقية لتحديد مناطق النفوذ في المشرق العربي، مع اطلاع روسيا القيصرية وموافقتها على الترتيبات المتعلقة بمناطق النفوذ.

وعد بلفور 1917: أصدرت بريطانيا وعد بلفور الذي أيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مع النص على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة فيها.

هدنة مودروس 30 أكتوبر 1918: أنهت مشاركة الدولة العثمانية في الحرب وفتحت المجال أمام احتلال الحلفاء لمناطق من أراضيها.

معاهدة سيفر 1920: فرضت شروطا ترابية وسياسية قاسية على الدولة العثمانية وقلصت مجالها الترابي، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ، واستبدلت لاحقا بمعاهدة لوزان سنة 1923.

نهاية الدولة العثمانية: أُلغيت السلطنة سنة 1922، وأعلنت الجمهورية التركية سنة 1923 بقيادة مصطفى كمال، ثم أُلغيت الخلافة سنة 1924، وبذلك انتهى النظام الإمبراطوري العثماني.

معاهدة لوزان 1923: معاهدة سلام بين تركيا والحلفاء، وأقرت الاعتراف الدولي بالجمهورية التركية وحددت إطار حدود تركيا الحديثة، وحلت محل معاهدة سيفر التي لم تدخل حيز التنفيذ.

التطور العام في المشرق العربي عقب سقوط الإمبراطورية العثمانية

1. مفهوم الانتداب وخريطته السياسية بالمشرق العربي

الانتداب: نظام أقرته عصبة الأمم استنادا إلى المادة 22 من عهدها، ووضع بموجبه عددا من الأراضي التي كانت تابعة للدولة العثمانية تحت إدارة دول منتدبة، بدعوى مساعدتها على الوصول إلى الحكم الذاتي والاستقلال.

عقد مؤتمر سان ريمو في أبريل 1920، وتم خلاله الاتفاق على إسناد الانتدابين البريطاني والفرنسي على عدد من المناطق العربية التابعة سابقا للإمبراطورية العثمانية.

الانتداب البريطاني: شمل العراق وفلسطين، ثم شمل الإطار الانتدابي البريطاني شرقي الأردن بوضع خاص.

الانتداب الفرنسي: شمل سوريا ولبنان.

المندوب السامي: ممثل الدولة المنتدبة الذي كان يشرف على إدارة منطقة الانتداب ويتمتع بسلطات واسعة فيها.

معلومة: لم تكن مصر جزءا من نظام الانتداب الذي أقر في سان ريمو، فقد كانت تحت الاحتلال البريطاني منذ 1882، وأعلنت بريطانيا الحماية عليها سنة 1914، ثم أعلنت إنهاء الحماية وإعلان استقلالها سنة 1922، مع احتفاظها بعدد من التحفظات التي أبقت نفوذها فيها.

2. آليات توطيد النفوذ الاستعماري بالمشرق العربي

اعتمدت بريطانيا وفرنسا على مجموعة من الآليات السياسية والإدارية والاقتصادية لتثبيت نفوذهما في المشرق العربي.

سياسيا وإداريا: اتبعت بريطانيا أسلوب الحكم غير المباشر بدرجات مختلفة، واعتمدت على حكام محليين مرتبطين بنفوذها، ومن أبرزهم تنصيب فيصل بن الحسين ملكا على العراق، وعبد الله بن الحسين أميرا على شرقي الأردن.

أما فرنسا فاتجهت إلى الحكم المباشر بدرجة أكبر، وعملت على إعادة تنظيم المجال السوري وإقامة كيانات إدارية منفصلة، وفصل لبنان عن سوريا وتعزيز نفوذها السياسي والإداري في المنطقة.

اقتصاديا وماليا: أخضعت السلطات الاستعمارية الأنظمة المالية والمصرفية والجمركية لنفوذها، وفرضت الضرائب والرسوم، وربطت اقتصاد المشرق بالمصالح والأسواق الأوروبية.

فلاحيا: أعيد تنظيم الملكية العقارية، وشجع الاستثمار الزراعي، ووجه جزء من الإنتاج نحو الزراعات التجارية، بحسب طبيعة كل منطقة.

صناعيا وتجاريا: أضعفت المنافسة الأجنبية بعض الصناعات والحرف التقليدية، وربط النشاط الصناعي والتجاري بالمصالح والأسواق الخارجية، كما توسع استغلال بعض الموارد الطبيعية وفق المصالح الاستعمارية.

3. مخلفات الانتداب وردود الفعل

أدى نظام الانتداب إلى مجموعة من النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من أبرزها:

  • سياسيا: إعادة تنظيم المشرق العربي في كيانات سياسية وحدود جديدة خضعت بدرجات مختلفة للنفوذ البريطاني والفرنسي.
  • اقتصاديا: تعميق التبعية الاقتصادية وربط اقتصاد المنطقة بالمصالح والأسواق الأوروبية.
  • إداريا: استمرار التدخل الأجنبي في الشؤون السياسية والإدارية والاقتصادية.
  • وطنيا: ظهور مقاومات وحركات وطنية رافضة للانتداب.

ومن أبرز مظاهر المقاومة الثورة العراقية سنة 1920 ضد الانتداب البريطاني، ومعركة ميسلون سنة 1920 في مواجهة القوات الفرنسية، ثم الثورة السورية الكبرى 1925-1927 ضد الانتداب الفرنسي.

خاتمة

أدى ضعف الإمبراطورية العثمانية وتزايد الضغوط الأوروبية إلى تفككها، وساهمت الحرب العالمية الأولى في تسريع سقوطها. واستغلت بريطانيا وفرنسا هذا الوضع لفرض نفوذهما على المشرق العربي في إطار نظام الانتداب، مما أدى إلى إعادة تنظيم المنطقة سياسيا واقتصاديا، وظهور حركات وطنية قاومت السيطرة الاستعمارية.

مصطلحات ومفاهيم أساسية

الإمبراطورية العثمانية

دولة إسلامية واسعة تأسست في أواخر القرن 13م، واتخذت من إسطنبول عاصمة لها منذ 1453، وأُلغيت السلطنة العثمانية سنة 1922.

التنظيمات

مجموعة من الإصلاحات الإدارية والعسكرية والمالية والقانونية التي قامت بها الدولة العثمانية خلال القرن 19م بهدف تحديث مؤسساتها وتقوية الدولة.

تركيا الفتاة

حركة سياسية إصلاحية ظهرت في أواخر القرن 19م، طالبت بإصلاح نظام الحكم وإعادة العمل بالدستور، وارتبط بها لاحقا حزب الاتحاد والترقي الذي أصبح القوة السياسية الرئيسية في الدولة العثمانية.

التتريك

سياسة ارتبطت خاصة بالمرحلة الأخيرة من الدولة العثمانية، واتجهت إلى تعزيز المركزية والطابع التركي في الإدارة والحياة العامة، مما أثار ردود فعل لدى بعض الشعوب، ومنها العرب.

المسألة الشرقية

مشكلة دولية نتجت عن ضعف الإمبراطورية العثمانية وتنافس الدول الأوروبية حول ممتلكاتها ومناطق نفوذها.

الامتيازات الأجنبية

حقوق وامتيازات اقتصادية وقضائية منحتها الدولة العثمانية للأجانب، واستغلتها الدول الأوروبية لتوسيع نفوذها داخل الإمبراطورية.

الحمايات القنصلية

امتيازات ووسائل حماية قضائية وإدارية مكنت القناصل والدول الأوروبية من توسيع نفوذهم داخل الدولة العثمانية والتدخل في شؤونها الداخلية.

إدارة الدين العمومي العثماني

مؤسسة أنشئت سنة 1881 في إطار تسوية الديون العثمانية، وأشرفت على تحصيل جزء من موارد الدولة وتخصيصها لتسديد الديون، تحت نفوذ الدائنين الأوروبيين.

سايكس بيكو

اتفاقية سرية عقدتها بريطانيا وفرنسا سنة 1916 لتحديد مناطق النفوذ في المشرق العربي، مع موافقة روسيا القيصرية على الترتيبات المرتبطة بها.

وعد بلفور

تصريح بريطاني صدر سنة 1917 أيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

هدنة مودروس

هدنة وقعت في 30 أكتوبر 1918 بين الدولة العثمانية والحلفاء، أنهت مشاركتها في الحرب العالمية الأولى.

معاهدة سيفر

معاهدة وقعت سنة 1920 وفرضت شروطا قاسية على الدولة العثمانية، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ.

معاهدة لوزان

معاهدة سلام وقعت سنة 1923 بين تركيا والحلفاء، وأقرت الاعتراف الدولي بالجمهورية التركية وحددت إطار حدود تركيا الحديثة، وحلت محل معاهدة سيفر.

الانتداب

نظام أقرته عصبة الأمم استنادا إلى المادة 22 من عهدها، ووضع أراضي كانت تابعة للدولة العثمانية تحت إدارة دول منتدبة بدعوى مساعدتها على الوصول إلى الحكم الذاتي والاستقلال.

مؤتمر سان ريمو

مؤتمر عقد سنة 1920 وخصص لتحديد ترتيبات الانتداب والنفوذ في عدد من المناطق التابعة سابقا للدولة العثمانية.

المندوب السامي

ممثل الدولة المنتدبة الذي كان يشرف على إدارة منطقة الانتداب ويتمتع بسلطات واسعة فيها.

الثورة العراقية

ثورة اندلعت سنة 1920 ضد الانتداب البريطاني في العراق.

الثورة السورية الكبرى

ثورة وطنية اندلعت سنة 1925 ضد الانتداب الفرنسي واستمرت إلى سنة 1927.