الضغوط الاستعمارية على المغرب ومحاولات الإصلاح اولى باك

5 دقائق قراءة

يقدم هذا الدرس شرحا شاملا لموضوع الضغوط الاستعمارية على المغرب ومحاولات الإصلاح خلال القرن 19م، مع التعرف على مظاهر الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية على المغرب، وأبرز محطاتها مثل معركة إيسلي، حرب تطوان، معاهدة لالة مغنية، اتفاقية 1856 مع بريطانيا، الاتفاقية التجارية مع إسبانيا سنة 1861، تسوية بيكلار ومؤتمر مدريد سنة 1880. كما يتناول الدرس الإصلاحات التي قام بها المخزن المغربي في المجالات الإدارية والمالية والنقدية والاقتصادية والعسكرية والتعليمية، إضافة إلى حصيلة الإصلاحات وعوامل محدوديتها. وهو درس مناسب لتلاميذ السنة الأولى بكالوريا وفق مقرر مادة التاريخ بالمغرب.

مقدمة وإشكالية

تعرض المغرب خلال القرن 19م لضغوط استعمارية متعددة الأشكال، عسكرية واقتصادية ودبلوماسية، مارستها عليه القوى الأوربية بهدف إضعافه وتمهيد الطريق لاحتلاله. وأمام خطورة تداعيات هذه الضغوط، بادر المخزن المغربي إلى القيام بمحاولات إصلاحية شملت ميادين متعددة.

  • ما مظاهر الضغوط الاستعمارية على المغرب؟ وما آلياتها؟ وماذا ترتب عنها من نتائج؟
  • ما مظاهر الإصلاحات التي قام بها المخزن المغربي لمواجهة هذه الضغوط؟ وكيف كانت حصيلتها؟

الضغوط الاستعمارية على المغرب خلال القرن 19م وآلياتها

1. الضغوط العسكرية

معركة إيسلي (1844م)

دارت سنة 1844م بين الجيش الفرنسي والجيش المغربي قرب الحدود الشرقية عند واد إيسلي، بعد اتهام فرنسا للسلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام بتقديم الدعم العسكري للأمير عبد القادر الجزائري خلال مقاومته للاحتلال الفرنسي بالجزائر. انتهت المعركة بهزيمة المغرب، وكشفت عن ضعف قوته العسكرية.

النتائج والمعاهدات:

  • توقيع معاهدة طنجة يوم 10 شتنبر 1844م.
  • توقيع معاهدة لالة مغنية يوم 18 مارس 1845م، التي حددت الحدود المغربية الجزائرية من البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة ثنية الساسي.
  • ترك الحدود في المجال الصحراوي جنوب هذه المنطقة دون تحديد دقيق، وهو ما استغلته فرنسا لاحقا لتبرير توسعها في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية.

حرب تطوان (1859-1860م)

اندلعت بين المغرب وإسبانيا بعد أن هدمت قبيلة أنجرة بنايات كان الإسبان قد شيدوها خارج حدود سبتة، فاتخذت إسبانيا ذلك ذريعة لشن الحرب. انتهت الحرب بهزيمة المغرب واحتلال إسبانيا لمدينة تطوان.

بنود معاهدة واد راس (26 أبريل 1860م):

  • فرض غرامة مالية قدرها 100 مليون بسيطة.
  • توسيع حدود سبتة.
  • منح إسبانيا حق الصيد في منطقة سانتا كروز دي مار بيكينيا بالجنوب المغربي.
  • وضع موظفين إسبان في بعض الموانئ المغربية لاقتطاع نسب من العائدات الجمركية لفائدة الحكومة الإسبانية.

انعكاسات الغرامة على مالية الدولة:

  • اضطرار المغرب للاستدانة من بريطانيا لتسديد الغرامة.
  • رهن نصف مداخيله الجمركية لضمان القرض.
  • استنزاف مالية الدولة وإضعاف مواردها النقدية.

2. الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية

الاتفاقية التجارية مع بريطانيا (1856م)

وقعها المغرب في عهد السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام، بوساطة القنصل البريطاني جون دراموند هاي، بتاريخ 9 دجنبر 1856م.

الامتيازات الممنوحة للتجار الإنجليز:

  • توفير الأمن للرعايا والتجار الإنجليز وممتلكاتهم في المغرب.
  • حق السكن والتنقل للرعايا الإنجليز، وتمتعهم بامتيازات قضائية وقنصلية، بحيث خضعوا في عدد من القضايا للسلطات القنصلية البريطانية بدل القضاء المغربي.
  • حرية التجارة في المراسي المغربية دون قيد زمني أو مكاني.
  • إسقاط الكنطردات والممنوعات في المتاجر.
  • حق تملك العقارات بالمغرب.
  • تحديد الرسوم الجمركية على الواردات في حدود عشر القيمة (10%).

الاتفاقية التجارية مع إسبانيا (1861م)

أبرمها المغرب مع إسبانيا بعد حرب تطوان.

الامتيازات الممنوحة لإسبانيا:

  • مجموعة من الامتيازات التجارية والقنصلية.
  • حق تملك العقارات.
  • حق الصيد في السواحل المغربية.

ساهمت هذه الاتفاقية في اتساع النفوذ الأجنبي بالمغرب.

تسوية بيكلار (1863م)

اتفاقية مغربية فرنسية وقعت في 19 غشت 1863م، هدفت إلى تنظيم الحماية القنصلية بتحديد عدد السماسرة الذين يمكن لكل دار تجارية فرنسية اختيارهم في اثنين.

نتائجها:

  • ساهمت عمليا في توسيع نطاق الحماية بدل الحد منها.
  • أدت إلى تزايد عدد المحميين وإضعاف سلطة المخزن.
  • أدى نظام الحماية إلى إعفاء المحميين من بعض الضرائب والحد من خضوعهم للقضاء المغربي.

مؤتمر مدريد (1880م)

حاول المغرب من خلال ممثله محمد بركاش الحد من انتشار الحماية القنصلية التي أصبحت تهدد سيادة المغرب واستقراره وخزينته.

مقررات المؤتمر:

  • تأكيد امتيازات الدول الأجنبية ورعاياها بالمغرب.
  • تكريس نظام الحماية القنصلية بدل الحد منه.
  • تكريس حق الأجانب في تملك العقارات بالمغرب وفق شروط محددة.

3. نتائج الضغوط الاستعمارية

شكلت هزيمتا إيسلي وتطوان، وما تلاهما من معاهدات واتفاقيات، بداية مسلسل من النكسات العسكرية والتدهور الاقتصادي وتهديد الوحدة الترابية للمغرب وتزايد الأطماع الاستعمارية في بعض مناطقه.

من أبرز هذه الآثار:

  • تراجع الموارد النقدية.
  • تراجع هيبة المخزن.
  • تزايد عدد المغاربة المستفيدين من الحماية القنصلية.
  • تعزز النفوذ الأجنبي بالمغرب.

وقد مهدت هذه الضغوط للتغلغل الأوربي بالمغرب خلال النصف الثاني من القرن 19م وساهمت في إضعافه، كما تجلى ذلك أيضا في التغلغل الأوربي في بعض المناطق المغربية، خاصة في المجالات الصحراوية، عبر وسائل عسكرية وتجارية ودبلوماسية.

محاولات الإصلاح التي قام بها المخزن المغربي لمواجهة الضغوط الاستعمارية

1. مظاهر الإصلاحات ومجالاتها

قام سلاطين المغرب، خاصة مولاي عبد الرحمان بن هشام ومحمد الرابع والحسن الأول، بمحاولات إصلاحية شملت مجالات متعددة قصد تقوية الدولة ومواجهة الضغوط الاستعمارية وصيانة استقلال المغرب.

الإصلاحات الإدارية

التدابير المتخذة

تحديث الإدارة المركزية بتحديد اختصاصات كل وزير.
إحداث وزارات جديدة.
إعادة تنظيم الإدارة المحلية.
إصلاح شؤون المراسي.
تأسيس دار النيابة.
الحد من نفوذ القواد الكبار بتقسيم مناطق نفوذهم إلى قيادات صغرى.
تأثرت بعض هذه الإصلاحات بالضغوط والتدخلات الأوربية.

الإصلاحات المالية والنقدية

التدابير المتخذة

اعتماد نظام الأجور الثابتة لبعض موظفي المخزن، خاصة في المصالح المالية والمراسي، للحد من التلاعب في مداخيل الدولة.
سك عملة فضية جديدة سنة 1881م في عهد الحسن الأول سميت الريال الحسني.
تنظيم بعض المكوس ومحاولة زيادة الرسوم الجمركية.
فرض ضريبة الترتيب في عهد الحسن الأول.

الإصلاحات الاقتصادية

التدابير المتخذة

تطوير الفلاحة وإدخال زراعات جديدة كالقطن وقصب السكر.
الاهتمام بالتعدين.
إصلاح وتجهيز الموانئ.
إنشاء بعض المؤسسات التجارية والصناعية، وخاصة معامل السكر والورق.

الإصلاحات العسكرية

التدابير المتخذة

إرسال بعثات طلابية إلى أوروبا للتكوين في المجالات العسكرية والتقنية.
استقدام مدربين وخبراء أوربيين لتدريب الجيش المغربي، منهم إركمان وماكلين.
اقتناء الأسلحة الحديثة والمراكب الحربية لحراسة السواحل المغربية.

الإصلاحات التعليمية

التدابير المتخذة

إصلاح التعليم.
إرسال بعثات طلابية إلى الخارج.
إدخال المطبعة وطبع الكتب.
إصلاح برامج الدراسة وطرق التدريس.
الاهتمام بتدريس بعض العلوم واللغات.

2. حصيلة الإصلاحات وعوامل محدوديتها

رغم تعدد الإصلاحات التي قام بها المغرب خلال القرن 19م، إلا أن نتائجها كانت محدودة وضعيفة، ويفسر ذلك بعوامل خارجية وأخرى داخلية.

العوامل الخارجية:

  • دور التدخل الأجنبي في إجهاض الإصلاحات، من خلال تشجيع وتدويل الحمايات الفردية.
  • التدخل في الأمور التشريعية والقضائية.
  • إغراق السوق المغربية بالمنتجات الأجنبية مما أضعف بعض الأنشطة والصناعات المحلية.
  • تدخل الدول الأجنبية وعرقلتها لبعض الإصلاحات.
  • تزايد اللجوء إلى القروض الأجنبية وما ترتب عنه من تزايد التبعية المالية للخارج.

العوامل الداخلية:

  • ضعف موارد المخزن واستنزاف ماليته.
  • توالي الأوبئة والكوارث الطبيعية كالجفاف والجراد، مما حد من قدرة الدولة على تمويل الإصلاحات.
  • معارضة بعض العلماء لبعض الإصلاحات، وخاصة ضريبة الترتيب، بدعوى مخالفتها للشرع.
  • معارضة الأعيان والفئات المستفيدة من النظام التقليدي.
  • مقاومة بعض القوى والفئات التقليدية للإصلاحات العسكرية والإدارية.

خلاصة الدرس

ساهم استمرار الضغوط الاستعمارية على المغرب، وفشل المحاولات الإصلاحية في الحد منها، في إضعاف المغرب وتهيئة الظروف التي انتهت بفرض الحماية عليه سنة 1912م.

مصطلحات ومفاهيم أساسية

الضغط الاستعماري

مجموع الضغوط التي مارستها الدول الإمبريالية باستعمال الوسائل العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية خلال القرن 19م لإضعاف المغرب والتغلغل فيه وتوسيع نفوذها ومصالحها داخله، في سياق التنافس الاستعماري.

وقعة إيسلي

معركة دارت بين الجيش الفرنسي والجيش المغربي قرب الحدود الجزائرية، انتهت بهزيمة المغرب سنة 1844م.

معاهدة لالة مغنية (1845م)

اتفاقية رسمت الحدود بين المغرب والجزائر المحتلة من البحر المتوسط إلى ثنية الساسي، وتركت الحدود الصحراوية جنوبا مبهمة بدون تحديد بدعوى أنها أرض قفار، وهو ما استغلته فرنسا لاحقا للتغلغل الترابي.

حرب تطوان

حرب دارت بين المغرب وإسبانيا سنة 1859 و1860م، انتهت بهزيمة المغرب واحتلال تطوان وتوقيع معاهدة صلح منحت إسبانيا امتيازات.

مؤتمر مدريد (1880م)

مؤتمر دولي عقد بطلب من السلطان مولاي الحسن الأول للحد من تفاقم الحماية القنصلية، لكنه انتهى بتكريس هذه الحماية وتعميمها على الدول الأوربية، إضافة إلى منح الأجانب حق الملكية العقارية بالمغرب.

الحماية القنصلية

نظام سمح لبعض المغاربة، خاصة السماسرة وبعض المتعاملين مع التجار الأجانب، بالدخول تحت حماية القناصل الأجانب، مما أدى إلى إعفائهم من بعض الضرائب والحد من خضوعهم للقضاء المغربي.

الامتيازات الأوربية

مجموعة من الحقوق التجارية والجبائية والقضائية والعقارية التي حصلت عليها الدول الأوربية ورعاياها في المغرب بموجب المعاهدات والاتفاقيات، مما حد من سيادة المخزن.

المكوس

رسوم وضرائب كانت تفرض على بعض السلع والأنشطة التجارية، خاصة عند الأسواق والمداخل والمراسي، وعارض بعض الفقهاء بعض أنواعها باعتبارها غير شرعية.

إصلاحات المخزن المغربي

مجموعة من التدابير التي اتخذها سلاطين المغرب خلال القرن 19م في المجالات العسكرية والإدارية والمالية والاقتصادية والتعليمية لمواجهة الضغوط الاستعمارية وتقوية الدولة، لكنها ظلت محدودة النتائج.