التحولات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والفكرية في العالم في القرن 19م

6 دقائق قراءة

ملخص درس التحولات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والفكرية في القرن 19 PDF للسنة الاولى باكالوريا مادة التاريخ

مقدمة

شهد العالم الرأسمالي خلال القرن 19م تحولات اقتصادية ومالية عميقة، طالت قطاعات الفلاحة والصناعة والتجارة والمال، وترتبت عنها تحولات اجتماعية كبرى تمثلت في نمو ديمغرافي وحضري سريع وبروز طبقات اجتماعية متناقضة، كما أفرزت هذه التحولات تيارات فكرية جديدة حاولت تفسير الواقع الجديد أو التصدي لتناقضاته.
فما مظاهر هذه التحولات الاقتصادية والمالية؟ وما العوامل المفسرة لها؟
وما مظاهر التحولات الاجتماعية والفكرية التي واكبتها؟

مظاهر التحولات الاقتصادية والمالية في العالم الرأسمالي خلال القرن 19م وعواملها

أولا: مظاهر التحولات الاقتصادية والمالية

في المجال الفلاحي

  • الانتقال من فلاحة تقليدية معيشية إلى فلاحة عصرية تسويقية.
  • استخدام الآلة في عمليات الحرث والحصاد والدرس (آلة الحرث، آلة الحصاد البخارية، آلة الدرس).
  • اعتماد نظام الدورة الزراعية (التناوب الزراعي) بدل نظام إراحة الأرض.
  • استعمال الأسمدة الكيماوية وتحسين سلالات الماشية.
  • استصلاح الأراضي وتوسيع المساحات المزروعة.
  • ظهور التخصص الفلاحي (الكروم، الزراعات العلفية، تربية الماشية).
  • بروز ملكيات فلاحية كبرى وارتباط الفلاحة بالصناعة والتجارة.

نتيجة ذلك: ارتفاع حجم الإنتاج الفلاحي والمردودية، وتنوع المنتوج وتحسن جودته، وتزايد أرباح الفلاحين.

في المجال الصناعي

  • تعميم استعمال الآلة البخارية وظهور أنواع أخرى من المحركات (الكهربائية، ثم البترولية).
  • ظهور مصادر طاقية جديدة: الفحم، فالكهرباء، فالغاز الطبيعي، فالبترول.
  • ظهور نظام المعمل بدل نظام الورشة الحرفية، وتنظيم عملية الإنتاج والمراقبة.
  • تطوير طرق الإنتاج، مثل طريقة بيسمر لإذابة الحديد وإنتاج الفولاذ (الصلب) بأقل تكلفة.
  • ازدهار صناعات جديدة: الصلب والفولاذ، الصناعة الميكانيكية، الصناعة الكيماوية.

نتيجة ذلك: ارتفاع حجم الإنتاج الصناعي، وتضاعف الصادرات الصناعية، وارتفاع نسبة مساهمتها في الناتج الوطني الخام.

في المجال التجاري

  • ازدهار التجارة الداخلية بظهور المتاجر والمراكز التجارية الكبرى.
  • ظهور طرق جديدة في البيع والشراء: تحديد الأثمان، الإشهار (الدعاية)، البيع بالمصارفة.
  • ازدهار التجارة الخارجية باعتماد نظام التبادل الحر بدل السياسة الحمائية (نهجته بريطانيا أولا ثم تبعتها باقي الدول الرأسمالية).

نتيجة ذلك: اتساع قاعدة المبادلات التجارية الداخلية والخارجية، واشتداد التنافس بين الدول الرأسمالية للسيطرة على الأسواق العالمية.

في المجال المالي

مر النظام الرأسمالي بثلاث مراحل متتالية:

الرأسمالية التجارية

انطلقت منذ الاكتشافات الجغرافية، وتميزت بتراكم الأموال عن طريق استغلال المواد الأولية في العالم الجديد وتوسع التجارة الاستعمارية وظهور الأبناك.

الرأسمالية الصناعية

تميزت بتطور الاختراعات التقنية والأبحاث العلمية، وظهور التركيز الرأسمالي (الأفقي والعمودي) والمنافسة الحرة بين الشركات.

الرأسمالية المالية

تميزت بانتقال الأبناك من وظيفة إيداع الأموال إلى المساهمة في الاستثمار، وظهور الشركات المجهولة الاسم وشركات الأسهم، وتزايد دور البورصة، وظهور التركيز المالي (الهولدينغ).

نتيجة ذلك: تحكم الأبناك والمقاولات الكبرى في توجيه النظام الرأسمالي.

استنتاج: عرف العالم الرأسمالي خلال القرن 19م تحولات شاملة في مجالات الفلاحة والصناعة والتجارة والمال، انتقلت به من الرأسمالية التجارية إلى الرأسمالية الصناعية ثم المالية، وأدت إلى ارتفاع الإنتاج والأرباح وتوسع المبادلات التجارية.

ثانيا: العوامل المفسرة للتحولات الاقتصادية والمالية

1. التقدم العلمي والتقني

  • تطور العلوم والاختراعات التقنية في مجالات الطاقة والمعادن (فرن بيسمر).
  • تقدم علم الكيمياء (الأسمدة الكيماوية، المبيدات، الأسبيرين).
  • تطور علم البيولوجيا (التلقيح، تحسين السلالات).
  • اختراعات في مجال الاتصال (الهاتف والتلغراف).

2. ثورة المواصلات

  • توسيع شبكة السكك الحديدية لربط المدن بالبوادي داخليا.
  • تطور النقل البحري بظهور السفن البخارية، لربط أوربا بباقي مناطق العالم.
  • تميزت وسائل النقل الجديدة بالسرعة والحمولة الكبرى واختصار الوقت، مما ضمن حفظ جودة المنتوجات.

3. العامل التنظيمي

اعتماد النهج الليبرالي الاقتصادي الذي وضع أسسه آدم سميث، والقائم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، وحرية الإنتاج والتبادل والمنافسة، وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد.

بروز ظاهرة التركيز الرأسمالي: التركيز الأفقي (اندماج شركات تنتج نفس المنتوج)، والتركيز العمودي (اندماج شركات لإنتاج متكامل)، وظهور الهولدينغ.

4. الفاعلون الاقتصاديون الجدد

الأبناك: انتقلت من وظيفة الإيداع إلى المساهمة والاستثمار والتحكم في الاقتصاد.

المقاولات الكبرى: مؤسسات ضخمة يملكها مستثمرون في مجالات عديدة.

الشركات المجهولة الاسم: رأسمالها موزع على شكل أسهم يمتلكها المساهمون.

إشارة: كان ازدهار الاقتصاد الرأسمالي يخفي بوادر أزمات، حيث شهدت البلدان الصناعية أزمات دورية أهمها أزمة 1873م التي انطلقت من القطاع الصناعي بسبب فائض الإنتاج (اختلال التوازن بين العرض والطلب)، وانتقلت آثارها إلى باقي القطاعات الاقتصادية والمالية.

استنتاج: تضافرت عدة عوامل علمية وتقنية وتنظيمية لتفسير التحولات الاقتصادية والمالية التي عرفها العالم الرأسمالي خلال القرن 19م، وساهمت في تعزيز النظام الرأسمالي مع بروز بوادر أزماته الدورية.

مظاهر التحولات الاجتماعية والفكرية في العالم الرأسمالي خلال القرن 19م

أولا: مظاهر التحولات الاجتماعية

النمو الديمغرافي السريع

تضاعف عدد سكان الدول الرأسمالية بوتيرة سريعة (تضاعف عدد سكان إنجلترا 3 مرات بين القرن 18م ومنتصف القرن 19م).
عوامله: ارتفاع عدد الولادات مقابل انخفاض معدل الوفيات، تحسن المستوى الصحي والمعيشي، تقدم الطب واستعمال التلقيحات، تحسن التغذية، القضاء على المجاعات.

النمو الحضري السريع (الانفجار الحضري)

ارتفاع عدد المدن وعدد سكانها الحضريين، على حساب تراجع نسبة الساكنة القروية.
أصبح عدد سكان بعض المدن الأوربية الكبرى يفوق مليون نسمة، مثل لندن وباريس.
عوامله: الثورة الصناعية وتركز المصانع بالمدن الكبرى، والهجرة القروية بسبب تأزم أوضاع البوادي وضعف الدخل الفلاحي والبحث عن ظروف عيش أفضل.

ظهور طبقتين اجتماعيتين متناقضتين

الطبقة العاملة (البروليتاريا)

  • العمال والفلاحون الفقراء والنساء والأطفال العاملون
  • لا تملك سوى قوة عملها اليدوي أو الفكري
  • طول ساعات العمل، ضعف الأجور، تشغيل النساء والأطفال، سكن غير لائق، انتشار الأمراض وسوء التغذية

الطبقة البورجوازية

  • كبار الصناعيين والتجار وأصحاب الأبناك والموظفون الكبار
  • تمتلك وسائل الإنتاج ورؤوس الأموال وتتحكم فيها
  • حياة الترف والرفاهية في المأكل والمشرب واللباس والتعليم

استنتاج: أفرزت التحولات الصناعية والفلاحية والمالية بنية اجتماعية جديدة قوامها نمو ديمغرافي وحضري متسارع، وانقسام طبقي حاد بين بورجوازية مستفيدة وطبقة عاملة متضررة، وهو ما مهد لبروز تحولات فكرية جديدة.

ثانيا: مظاهر التحولات الفكرية

نتجت عن الأوضاع المزرية التي عاشتها الطبقة العاملة عدة تحولات فكرية، تمثلت في بروز الفكر الاشتراكي كرد فعل على الفكر الليبرالي المدافع عن مصالح البورجوازية، كما تبلورت الحركة العمالية والتنظيم النقابي.

المذهب الليبرالي الكلاسيكي

أسسه آدم سميث في القرن 18م وتطور خلال القرن 19م، وشكل الإطار الفكري المدافع عن مصالح البورجوازية.
من أهم مبادئه: تقديس حرية الملكية الفردية، وحرية المبادرة والإنتاج والتبادل والمنافسة، ورفض تدخل الدولة في توجيه الاقتصاد.

الفكر الاشتراكي

انقسم الفكر الاشتراكي إلى ثلاثة تيارات رئيسية:

التيار الفكريأهم روادهأهم أفكاره
الاشتراكية الطوباوية (الخيالية أو المثالية)سان سيمون (1760-1825) روبرت أوينالحد من الرأسمالية المتوحشة، وإقامة نظام تعاوني يضمن العدالة والمساواة والتضامن بين أفراد المجتمع.
الاشتراكية الفوضويةبرودون (1809-1865)انتقاد مؤسسات الدولة والدعوة إلى إلغائها باعتبارها أداة في يد البورجوازية، وتعويضها بالتعاونيات والفدراليات، واعتماد الثورة وسيلة للتغيير.
الاشتراكية العلميةكارل ماركس (1818-1883) فريدريك إنجلزاعتبار تاريخ البشرية تاريخ صراع طبقي، والدعوة إلى الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، والقضاء على الرأسمالية عبر الثورة العمالية، وإقامة مجتمع اشتراكي بدون طبقات.
شكل المذهب الليبرالي الإطار الفكري للبورجوازية، بينما ارتبطت المذاهب الاشتراكية بالدفاع عن مصالح الطبقة العاملة.

ظهور الحركة العمالية والتنظيم النقابي

نشأت كرد فعل على الأوضاع المزرية التي عانت منها الطبقة العاملة (طول ساعات العمل، ضعف الأجور، تشغيل الأطفال والنساء).
في النصف الأول من القرن 19م: تأسست جمعيات عمالية في بعض بلدان أوربا الغربية للدفاع عن حقوق العمال.
في النصف الثاني من القرن 19م: تأسست نقابات عمالية قوية في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وتكتلت عالميا في إطار الأممية الأولى ثم الأممية الثانية.
مكاسب الحركة العمالية: تخفيض ساعات العمل، والرفع من الأجور، وإقرار حق الإضراب وحق الانتماء النقابي، والتعويض عن المرض وحوادث الشغل والعجز والشيخوخة، وإجبارية العطلة الأسبوعية والسنوية، والحد من تشغيل الأطفال، والاحتفال بعيد الشغل في فاتح ماي من كل سنة.

استنتاج: أدت الأوضاع الاجتماعية القاسية للطبقة العاملة إلى بروز الفكر الاشتراكي بتياراته الثلاثة، وإلى تطور الحركة العمالية والتنظيم النقابي الذي مكن العمال من تحقيق عدة مكتسبات اجتماعية ومهنية.

خاتمة

أدت التحولات الاقتصادية والمالية التي عرفها العالم الرأسمالي خلال القرن 19م، من ثورة صناعية وفلاحية وتجارية ومالية، إلى تحولات اجتماعية عميقة تجلت في النمو الديمغرافي والحضري وبروز طبقتين اجتماعيتين متناقضتين، كما أفرزت تحولات فكرية تمثلت في الفكر الاشتراكي بتياراته المختلفة وفي تطور الحركة العمالية والنقابية.
وقد ساهمت هذه التحولات مجتمعة في تعزيز مكانة أوربا الاقتصادية والسياسية في العالم، وفي اشتداد التنافس الإمبريالي بين الدول الرأسمالية الكبرى بحثا عن الأسواق والمواد الأولية، وهو ما مهد لاحقا للتوسع الاستعماري الأوربي.

مصطلحات ومفاهيم درس التحولات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والفكرية في العالم في القرن 19م

التحولات التقنية

مجموعة الاختراعات والاكتشافات التي عرفها العالم الرأسمالي خلال القرن 19م في مختلف المجالات (الطاقة، المعادن، النسيج، الاتصال، المواصلات)، وكان لها دور أساسي في انطلاقة الثورة الصناعية.

الرأسمالية المالية

المرحلة الثالثة من مراحل تطور النظام الرأسمالي، ظهرت خلال القرن 19م وتميزت بانتقال الأبناك من وظيفة إيداع الأموال إلى المساهمة في الاستثمار، وبتزايد دور الأبناك والشركات الكبرى.

التركيز الرأسمالي

اندماج اقتصادي بين مؤسسات صناعية أو تجارية بهدف الحد من المنافسة وتخفيض تكلفة الإنتاج، ويكون أفقيا (اندماج شركات تنتج نفس المنتوج) أو عموديا (اندماج شركات تكمل بعضها في عملية الإنتاج).

الفكر الاشتراكي

تيار فكري اقتصادي واجتماعي ظهر خلال القرن 19م، يقوم على أساس الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والعمل التعاوني والتشاركي، دفاعا عن مصالح الطبقة العاملة ضد الاستغلال الرأسمالي.

الليبرالية الكلاسيكية

مذهب فكري اقتصادي أسسه آدم سميث، يقوم على حرية الملكية الفردية وحرية المبادرة والمنافسة ورفض تدخل الدولة في تدبير الاقتصاد.

الحركة العمالية والنقابات

تنظيمات عمالية ظهرت خلال القرن 19م بهدف الدفاع عن حقوق العمال وتحسين ظروف عملهم عن طريق الاحتجاجات والإضرابات، حققت من خلالها مجموعة من المكتسبات.

البورجوازية

طبقة اجتماعية غنية تمتلك وسائل الإنتاج ورؤوس الأموال، استفادت من التحولات الاقتصادية للقرن 19م.

البروليتاريا (الطبقة العاملة)

طبقة اجتماعية فقيرة، لا تملك سوى قوة عملها اليدوي أو الفكري، عانت من ظروف عمل وعيش قاسية خلال القرن 19م.

نظام التبادل الحر

نظام تجاري يقوم على حرية تنقل السلع بين الدول دون قيود جمركية، اعتمدته بريطانيا أولا ثم باقي الدول الرأسمالية.

الشركات المجهولة الاسم

شركات يوزع رأسمالها على شكل أسهم يمتلكها عدد من المساهمين، ظهرت في إطار الرأسمالية المالية.